عندي شئ سواه ثمّ اهدى له بعد ذلك عشرة دنّان من النّبيذ ؛ فقال لغلامه : أخرجنا دنا فجاءنا عشرة .
قلت وفي رواية السّيوطى انّه قرأ عند إنكار الغلام عليه ذلك قوله تعالى
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
؛ فانظر إلى عمل إبليس الملعون .
وينسب إليه من هذه الأمور شئ كثير ، وعرض له في آخر التّسعين من عمره فالج سقى له التّرياق فبرأ وصحّ ورجع إلى أفضل أحواله ، ولم ينكر من نفسه شيئا ، ورجع إلى إسماع تلامذته وإملائه عليهم ، ثمّ عاوده الفالج بعد حول لغذاء ضار تتناوله ، وكان يحرّك يديه حركة ضعيفة ؛ من مخرمة إلى قدميه ، وكان إذا دخل عليه الدّاخل ضجّ وتألّم لدخوله وإن لم يصل إليه ، قال تلميذه أبو علىّ إسماعيل ابن القاسم القالي المعروف بالبغدادي المقدّم ذكره : فكنت أقول في نفسي : انّ اللّه عزّ وجل عاقبه لقوله في قصيدته المقصورة حين ذكر الدّهر فقال :
مارست من لوهوت الأفلاك * من جوانب الجوّ عليه ما شكا
فكان يصيح لذلك صياح من يمشى عليه أو يسل بالمسال ، والدّاخل بعيد منه ، وكان مع هذه الحال ثابت الذّهن ، كامل العقل ، يردّ فيما يسأل عنه ردّا صحيحا .
إلى أن قال : وتوفّى يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من شعبان سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة ببغداد ، ودفن في المقبرة المعروفة بالعبّاسيّة .
وتوفّى في ذلك اليوم [ أبو هاشم ] عبد السّلام بن أبي علي الجبّائىّ فقال النّاس :
اليوم مات علم اللّغة والكلام : انتهى « 1 » ؛ وفي « طبقات النّحاة » نقلا عن الأزهرىّ الآتي ترجمته قريبا إنشاء اللّه أنّه قال : وممّن ألّف الكتب في زماننا فرمى بافتعال العربيّة وتوليد الألفاظ أبو بكر بن دريد ، وقد سألت عنه إبراهيم بن عرفة فعلم يعبأ به ، ولم يوثّق في روايته ، وألفيته علي كبر سنّه سكران لا يفتر عن ذلك ، وزاد فيه
هامش
( 1 ) وفيات الأعيان 3 : 448 - 452