تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
وصاحب المقالات في مذهبهم ومجالس ومناظرات ، وهو مولى عبد القيس . وكان حسن الجدال قوىّ الحجّة كثير الاستعمال للأدلّة والإلزامات ، حكى أنّه لقي صالح بن عبد القدّوس ، وكان قد مات له ولد وهو شديد الجزع عليه ، فقال له أبو الهذيل : لا أعرف لجزعك عليه وجها ، إذا كان الإنسان عندك كالزرع ، قال صالح : يا أبا الهذيل ، إنّما أجزع عليه لانّه لم يقرأ كتاب « الشّكوك » فقال له كتاب الشكوك ما هو قال هو كتاب قد وضعته من قرأه يشك فيما كان حتّى يتوهّم انّه لم يكن ، ويشك فيما لم يكن حتّى يتوهم انّه قد كان ، فقال له أبو الهذيل : فشكّ أنت في موت ابنك ، واعمل على انّه لم يمت ؛ وإن كان قد مات ، وشكّ أيضا في قراءته كتاب « الشّكوك » وإن كان لم يقرأه . ولأبي الهذيل أيضا كتاب يعرف ب « ميلاس » وكان ميلاس رجلا مجوسيّا فأسلم وكان سبب إسلامه انّه جمع بين أبى الهذيل المذكور وبين جماعة من الثنويّة ، فقطعهم أبو الهذيل ؛ فأسلم ميلاس عند ذلك ، وعرض لأبي الهذيل رجلا وكان قد اجتمع عند يحيى بن خالد جماعة من أرباب علم الكلام ، فسألهم عن حقيقة العشق ، فتكلّم كلّ واحد بشئ ، وكان أبو الهذيل في جملتهم ، فقال : أيّها الوزير العشق يختم على النّواظر ويطبع على الأفئدة ، مرتعه في الأجسام ومشرعه في الأكباد ، وهو جرعة من نقيع الموت وثقعة من حياض الشّكل ، غير أنّه من أريحية تكون في الطّبع وطلاوة توجد في الشّمائل ؛ وصاحبه جواد لا يصغى إلى داعية المنع ولا يصيخ لنازع العذل . وكان المتكلّمون ثلاثة عشر شخصا ، وأبو الهذيل ثالث من تكلّم منهم ، ولولا خوف الإطالة لذكرت كلام الجميع . ورأيت في بعض المجاميع انّ أعرابيّة وصفت العشق ، فقالت في وصفه : خفي أن يرى وجلّ عن أن يخفى ، فهو كامن ككمون النّار في الحجر : إن قدحته أورى وإن تركته توراى ، لم يكن شعبة من الجنون فهو عصارة السّحر وكانت ولادة أبى الهذيل سنة إحدى وعشرون ومائة ، وتوفّى سنة خمس وثلاثين ومأتين بسرّمن‌رأى ، وقال المسعودىّ وقال