جميل البيان إن أردت الفقه والأصول والتّفسير والتّاريخ والعربية ، فهو الفائز فيها بالقدح المغلّى ، وإن شئت الكلام والرّجال والحديث فمورده منها العذب المحلى .
كان فقيها متبحّرا لم ير مثله عين الزّمان ، ولم يلد بشبهه الدّور والدّوران ، ملقّبا بالفقيه في عصره وزمانه ، بل العلّامة الثّانى في دهره وأوانه ، صاحب الفقاهة الاستشماميّة ، والتّحقيقات الرّائقات ، كما يظهر من كلام نفسه رحمه اللّه في رسالته المعمولة له في الخيارات ، كان في الحكمة كالدّاماد والصدرا ، وفي الكلام كالمفيد وعلم الهدى ، جمع فنون علوم الدّين ، وصنف كتبا كالنّجوم رجوما للشّياطين ، كان مسلّم العرب والعجم ، والسّالك للطّريق الأتقن الأقوم ، حاضر الجواب في المسائل مع الاستدلال عليه باقوم الدلائل ، متقرّبا بالنّوافل إلى اللّه تعالى محبوبا لقلوب العالي والسّافل ، متهجدا قائم اللّيل في حندسه متعبّدا متحنّكا في برنسه يتململ تململ السّليم بالأنين ، ويبكى بكاء المتالّم الحزين ، مراغيا جميع سنن الشّريعة والآداب ، لا يحظو خطوة إلّا في طلب مرضاة ربّ الأرباب ، مشاهدا للحقائق ، منقطعا عن العلائق ، صامتا قليل الكلام دائم الحضور مع الملك العلّام .
مراتب صعدت والفكر يتبعها * فجاز وهو على آثارها الشّهبا
كان له شأن شامخ ومقام باذخ عند أساتيد الفضلاء ، وأساطين العلماء ، خصوصا عند صاحب « القوانين » عليه رحمة ربّ العالمين ، حيث كان معينا له في الأمور ، مدخلا في خاطره السّرور والحبور ، وأعطاه نسخة أصل « القوانين » لغاية ماله من الألطاف ، وأظهر قدره في الأطراف والأكناف ، ومن مقاماته الشّريفة ومراتبه المنيفة ما سمعت منه قدّس سرّه أنّه رأى في أيّام صفره في المنام كأنّ الكواكب من السّماء تتناثر عليه وهو يأخذها ويلاعب معها بيده ، قال : فحكيت ذلك لوالدي العلّامة عليه الرّحمة فعبّر ذلك بالتّرقى إلى مراتب الاجتهاد ، وبشّرنى بسلوك سبيل الحقّ والرّشاد ، فبان لي صدق ما قال ، وأشرفت على مراتب الكمال ، قبل بلوغ سن الكمال وكان يدّعى الفوز بذلك المقام العالي في سنّ خمسة عشر ، وهذا من جملة عجيب أمر البشر .