ويحبّ سكنى دمشق ، فلمّا تكرّر طلبه وعد بالإجابة ، وجعل يدافع من وقت إلى وقت ، فلمّا أخذ الملك الكامل آمد من صاحبها ، ورتّب فيها النّواب ، أراد أن يولّى فيها قاضيا من جهته ، فاجرى الحديث في ذلك ، والسّلطان الملك الأشرف ابن العادل حاضر وصاحب آمد يسمع ، فقال صاحب آمد يا مولانا كان الملوك قد كاتب الشّيخ سيف الدّين الآمدي في أن يجعله قاضيا في آمد وأجاب إلى ذلك وأراد أن ينفع الشّيخ بهذا القول ؛ فنظر الكامل إلى الأشرف كالمنكر عليه أن يكون في بلده مثل هذا الرّجل ، وقد عزم على مفارقتها وهو يكاتب ملكا آخر ، فبقيت في نفس الأشرف إلى أن ورد دمشق ، فاخذ المدرسة العزيزيّة منه ، ووقّع بها لمحيى الدّين بن الزّكى ، وقطع جاريه وأمره أن يلزم بيته فبقى على هذا الحال ، إلى أن مات رحمه اللّه ، فانشدنى نجم الدّين بن إسرائيل لنفسه في ذلك :
قد عزل السّيف وولّى القراب * وهو قضى فينا بغير الصّواب
فاضحك على الدّهر وأربابه * وابك على الفضل وفصل الخطاب
وحضرنا في بستان للشّيخ بأرض المزة بدمشق بعد موته مع جماعة من أصحابه وفينا نجم الدّين المذكور ، فكتب على سارية تحت عريش كان كثيرا ما يجلس الشّيخ إليها حين يقرأ عليه العلم :
يا مربعا قلبي له مربع * جاءك غيث ابدا يهمع
عهدي بمغناك وفي أفقه * شمس المعالي والحجى تطلع
وكنت غمد السّيف حتّى قضى * والغمد بعد السّيف لا يقطع
وأنشدني نجم الدّين بن إسرائيل أيضا لنفسه من أبيات يرثى بها الشّيخ سيف الدّين وقد كان جادت السّماء عند دفنه بمطر عظيم :
بكت السّماء عليه عند وفاته * بمدامع كاللّؤلؤ المنثور
وأظنّها فرحت بمصعد روحه * لمّا سمعت وتعلّقت بالنّور
ا وليس دمع الغيث يهمى باردا * وكذا تكون مدامع المسرور