تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
ودخل بغداد سنة ثمان وتسعين ودخلها ثانيا سنة تسع وتسعين ، وأقام بها سنة وسبعة أشهر . ثمّ رجع إلى المعرّة ولزم منزله ، وشرع في التصنيف وسار إليه الطلبة من الآفاق ، وكاتبه العلماء والوزراء ، وسمّى نفسه - رهين المحبسين - بمعنى : حبس نفسه في المنزل ، وحبس بصره بالعمى ، ومكث مدّة خمس وأربعين سنة لا يأكل اللحم تديّنا لأنّه كان يرى رأى الحكماء المتقدّمين وهم لا يأكلونه كيلا يذبحوا الحيوان فيؤلموه . ومن شعره في اللزوم :
لا تطلبنّ بآلة لك رتبة * قلم البليغ بغير جدّ مغزل سكن السما كان السماء كلاهما « 1 » * هذا له رمح وهذا أعزل .
وتوفّى يوم الجمعة ثالث شهر ربيع الأوّل سنة تسع وأربعين وأربعمائة بالمعرّة وبلغني أنّه أوصى أن يكتب على قبره :
هذا جناه أبي علىّ * وما جنيت على أحد
وهو أيضا متعلّق باعتقاد الحكماء فإنّهم يقولون : ايجاد الولد وإخراجه إلى هذا العالم جناية عليه لأنّه يتعرّض بالحوادث والآفات . قلت : وفي هذا الشعر دلالة على كونه عقيما بلا ولد ، ولذا ورد أيضا أنّه لم يكن عنده حين موته غير بنى عمّه وكان مرضه ثلاثة أيّام ، ومات في اليوم الرابع . وقال في « طبقات النحاة » : قال ياقوت : وكان متّهما في دينه يرى رأى البراهمة لا يرى أكل اللحم ، ولا يؤمن بالبعث والنشور ، وبعث الرسل . وقال الصفدي : وكان قد رحل إلى طرابلس وكان بها كتب موقوفة فأخذ منها ما أخذ من العلم ، واجتاز باللاذقيّة ، ونزل ديرا وكان به راهب له علم بأقاويل الفلاسفة ، فسمع كلامه فحصل له بذلك شكوك ، وشعره في هذا المعنى المضمر للالحاد كثير . وقد اختلف العلماء في شأنه . أمّا الذهبي فحكم بزندقته ، وقال السلفي : أظنّه
هامش
( 1 ) السماك الرامح ، والسماك الأعزل : كوكبان معروفان في فلك الثوابت منه - ره - .