أمر بضرب الخندق على المدينة بإشارة سلمان رضي الله عنه كما مر في ترجمته ، وحفره هو وأصحابه ، فلما وصلوا إليه خرج إليهم النبي صلّى الله عليه وسلم في ثلاثة آلاف ، وجعلوا ظهورهم إلى سلع « 1 » ، فضرب هنالك معسكره ، والخندق بينه وبين العدو ، فمكثوا نحو عشرين يوما أو خمسة عشر يوما لا قتال بينهم إلا الرمي بالنبل والحصا ، ثم اشتد [ ت ] الحرب وعظم البلاء وكثر الخوف حتى ظن المؤمنون كل ظن وزلزلوا زلزالا شديدا ، فبينما هم كذلك إذ جاء نعيم بن مسعود « 2 » إلى النبي صلّى الله عليه وسلم ، فقال له إني أسلمت ولم يعلم بي قومي ، فمرني بما شئت ، فأمره أن يخذل عنهم ما استطاع ، فإن الحرب خدعة ، فذهب إلى بني قريضة ، وكان نديمهم في الجاهلية ، فحسن لهم التخلف عن معاونة قريش إلا أن يأخذوا رهنا ، وعرفهم على أموالهم وأولادهم ، فقالوا أشرت بالرأي ، ثم ذهب إلى العرب ، وقال لهم عن اليهود مثل ذلك وأنهم ندموا على ذلك وأرسلوا إلى محمد أن قد ندمنا على ما فعلنا ، فهل يرضيك عنا أن نأخذ من قريش وغطفان رجالا فنعطيكم فتضربون أعناقهم ثم نكون معك على من بقي منهم ، فأرسلوا رسلهم لبني قريضة ، لسنا نقاتل حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ، فلما رجع الرسل إلى قريش وغطفان ، قالوا والله إن الذي حدثكم به نعيم لحق ، فانحل عزمهم ، وخذلهم الله ، وبعث عليهم الريح في ليلة شديدة البرد ، فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم وخيامهم ، فلما وصل إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم تخالفهم وما هم
هامش
- وأسلم فكان من المؤلفة قلوبهم وارتد بعد وفاة رسول الله ولحق بطليحة الأسدي ، وأسره خالد بن الوليد وبعثه إلى المدينة ، فرجع إلى الإسلام وقبله أبو بكر الصديق ، مات أيام عثمان بن عفان بعد ما كف بصره . انظر : المعارف ص 302 ، وتاريخ الطبري في مواضع مختلفة من الجزءين 2 و 3 .
( 1 ) سلع : جبل بسوق المدينة انظر معجم البلدان ( سلع ) 3 / 236 .
( 2 ) نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي الغطفاني ، صحابي جليل ، أسلم سرا أيام الخندق ، وسكن المدينة ، ومات في خلافة عثمان سنة 30 ه ، وقيل بل أيام حرب الجمل ، الاستيعاب 4 / 1508 ، الإصابة 3 / 539 وانظر حديث نعيم في تخذيل الأحزاب في تاريخ الطبري 2 / 578 وسيرة ابن هشام 3 / 137 .