قد ملك ، فلا يرى لنفسه في الدنيا ولا في الآخرة مقاما ولا قدرا ، وكما لا يرى لا يطلب ، وكما لا يطلب لا يتمنى ، فهو مستقل به ، واقف بلا طمع ، لا يسقط بالردّ ولا ينهض بالقبول من غير أن يعتقد في طريقه فضيلة على غيرها ، وهو موقف رفيع والأمر فيه ، وما لم يصل العبد إلى ربه عزّ وجل لا يصل إلى حقيقة هذا الوصف ، والفقر وصف كل مستغن عن غيره ، وكل مستغن عن غيره مستقل به ولا يكون صادقا في فقره ما لم يخرج عن فقره بانتفاء شهوره لفقره ، ونعت الفقير الصادق ما قاله الله تعالى : ( ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون ) وما قال الله تعالى أيضا ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) وعلامته ما قال الله تعالى : ( لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما أتاكم ) .
ومنه : انصف الناس لنفسك ، واقبل النصيحة ممن هو دونك ، تدرك شرف المنازل .
ومنه : من لم يجد في قلبه زاجرا ، فهو خراب ، ومن لم يستعن بالله على نفسه صرعته ومن لم يقم بآداب أهل البداية كيف يستقيم له دعوى مقامات أهل النهاية .
وروي إنه زاره ثلاثة من الفقهاء فصلوا خلفه العشاء ، فلم يقوم القراءة كما يريد الفقهاء ، فساء ظنهم به ، وباتو في زاويته فاجنبوا ثلاثتهم وخرجوا إلى نهر على باب الزاوية ، ونزلوا فيه يغتسلون فجاء أسد عظيم الخلقة وربض على ثيابهم وكانت ليلة شديدة البرد ، فأيقنوا بالهلاك ، فخرج الشيخ من الزاوية ، فجاء الأسد وتمرغ على رجليه ، فجعل الشيخ يضربه بكمه ويقول له : لم تعارض ضيوفنا وإن أساءوا بنا الظن ؟ فولّى الأسد هاربا .
فطلعوا من الماء واستغفروا الله ، فقال لهم الشيخ ، أنتم أصلحتم ألسنتكم ونحن أصلحنا قلوبنا .
وحكي أنه وقع في قرية حريق واستطار في أرجائها ، فقام الشيخ بين النار وبين المواضع التي ما وصلت إليها وقال : إلى هنا يا مباركة ، فخمدت مكانها .
جامع الأنوار في مناقب الأخيار — صفحة 554
مساهمون: عيسى البندنيجي القادري
ص٥٥٤