تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع الأنوار في مناقب الأخيار — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
قاسيت شهوتهنّ عن إدراكي سنة ، ثم ذهبت شهوتهن من قلبي ، وعوتب مرة أخرى على ترك التزويج فقال : فكيف بقلب ضعيف لا يقوم بهمه يجتمع عليه همان . وسبب زهده : أنه كان يمر ببغداد يوما فنحاه المطرقون بين يدي حميد الطوسي « 1 » ، فالتفت داود فرأى حميدا فقال لنفسه : أفّ لدنيا سبقك بها حميد ، فلزم البيت وأخذ العبادة وقيل سبب زهده أنه سمع نائحة تندب وتقول :
بأي خديك تبدي البلا * وأي عينيك إذا سالا « 2 »
فتغير حاله وتشوش باله ، وقال في نفسه : كيف لا يزهد في دنيا من كان إلى الموت والقبر مآله ، وقيل سبب زهده أن أبا حنيفة رضي الله عنه قال له لما كان يجالسه ويتفقه عليه : يا أبا سليمان أما الآلة فقد أحكمناها ، قال داود : فما بقي ، قال : العمل ، قال : فنازعتني نفسي إلى العزلة والوحدة ، فقلت لنفسي حتى أجالسهم سنة ولا أتكلم في مسألة ، قال روح الله روحه فجالستهم سنة لا أتكلم في شيء ، وكانت المسألة تمرّ بي وأنا إلى الكلام فيها أشدّ نزاعا من العطشان إلى الماء ، ولا أتكلم ، ثم صار أمره إلى ما صار « 3 » من الإقبال على الله وعبادته في الليل والنهار والانفراد عن الناس والفرار . وروى أنه كان يسكن في بيته وحده ، فقيل له : أنت وحدك ههنا ، قال : فهل الأنس اليوم إلا في الوحدة والانفراد ؟ وقال له آخر : أما تستوحش ؟ فقال : حالت وحشة القبر بيني وبين وحشة الدنيا ، ودخل عليه بعضهم فرآه وهو قاعد على التراب ، فقال لصاحبه هذا رجل زاهد ، فقال له داود : إنما الزهد من قدر فترك .
هامش
( 1 ) حميد الطوسي : من كبار قواد المأمون العباس ، توفى سنة 210 ه النجوم الزاهرة 2 / 190 . ( 2 ) الرسالة القشيرية وفيه : وراء عينيك إذن سالا . ( 3 ) الخبر في القشيرية ص 21 .