وقال الجنيد أيضا : دخلت على السري وهو يبكي ، فقلت ما يبكيك ؟
فقال : جاءني البارحة الصبية فقالت : يا أبت هذه الليلة حارة فاعلق هذا الكوز لعله يبرد فتفطر عليه ثم غلبتني « 1 » عيناي فنمت فرأيت في المنام جارية من أحسن الخلق قد نزلت فقلت لمن أنت ؟ فقالت : لمن لا يشرب الماء المبرد في الكوز ، وتناولت الكوز فضربت به الأرض قال الجنيد :
فرأيت الخزف مكسور ، لم يمسه ولم يرفعه حتى عفا عليه التراب .
وقال أيضا : جاء رجل فقال له : كيف أنت ؟ فأنشأ يقول :
من لم يبت والحبّ حشو فؤاده * لم يدر كيف تفتّت الأكباد « 2 »
وقال أيضا : سمعت السري يقول : خفيت عليّ علّة ثلاثين سنة ، وذلك إنا كنا جماعة نبكر إلى الجمعة ولنا أماكن قد عرفت بنا لا تكاد تخلو عنا فمات رجل من جيراننا يوم جمعة فأحببت أن أشيّع جنازته فشيعتها ثم جئت أريد الجمعة فلما قربت من الجامع قالت لي نفسي : الآن يراك الناس وقد تخلّفت عن وقتك ، فشقّ عليّ ذلك فقلت في نفسي أراك مرائية منذ ثلاثين سنة وأنا لا أدري فتركت ذلك المكان الذي كنت أصلي فيه ، وجعلت أصلي في أماكن مختلفة لئلا يعرف مكاني ، وقضيت صلاة الجمعة منذ ثلاثين سنة ،
ونقل عنه قدس سره : أنا في الاستغفار منذ ثلاثين سنة عن قولي مرة الحمد لله . قيل : وكيف ذاك ؟ فقال : وقع الحريق ببغداد فاستقبلني رجل فقال : نجا حانوتك فقلت : الحمد لله ، فأنا منذ ذلك الأوان نادم على قولي ، حيث أردت لنفسي خيرا دون المسلمين « 3 » .
وقال الجنيد : سمعت سري يقول : إن نفسي تطالبني أن أغمس جزرة في دبس فما أطعتها وقال الجنيد : دخلت على السري قدس سره ، فرأيته
هامش
( 1 ) في الأصل : غلبت ، وفي وفيات الأعيان 2 / 357 والقشيرية ص 15 حملتني .
( 2 ) الخبر والبيت في طبقات السلمي ص 55 .
( 3 ) الخبر في وفيات الأعيان 2 / 357 والقشيرية ص 17 .