الله ، واعلم أن حظك في بعدهم أقرب من حظك في قربهم ، فلا تأس على بعدهم وحسبك الله تعالى فاتخذه أنيسا ففيه الخلف منهم وليس فيهم الخلف من خلوة ساعة ، فاحذر أهل زمانك فما في العيش مع من تظن في زمانك الخير ، ولا مع من يساء به الظن خير لأنك منه على شرف عيبه إن جالسته فلا تأمن بلاء من بلائه ، وإن جانبته فالموت في العزلة خير من الحياة ، فالسلامة والعافية في العزلة ، وكفى بالسلامة فضلا ، اجعل أذنك عما يؤثمه صمّاء ، وعينك عنه عمياء ، واحذر سوء الظن فقد حذرك الله ذلك والسلام .
وروي أن رجلا سأله أن يوصيه بوصية فقال له : عليك بلزوم بيتك « 1 » وترك ملاقاة الناس ، فقال الرجل : بلغني عن الحسن أنه قال : لولا الليل وملاقاة الأخوان ما كنت أبالي متى مت ، فقال بشر : رحم الله الحسن ، لقد كان الظن به خلاف هذا ، ثم أنشد :
يا من يسر برؤية الأخوان * مهلا أمنت مكائد الشيطان
خلت القلوب من المعاد وذكره * وتشاغلوا بالحرص والخسران
صارت مجالس من ترى وحديثهم * في هتك مستور وخلق قران
وقال : غنيمة المؤمن غفلة الناس عنه وإخفاء مكانه عنهم .
ونقل عنه أنه قال : رأيت النبي صلّى الله عليه وسلم في المنام فقال له : يا بشر أتدري لم رفعك الله تعالى من بين أقرانك ؟ قلت : لا يا رسول الله ، قال : باتباعك لسنتي وحرمتك للصالحين ونصيحتك لإخوانك ومحبتك لأصحابي وأهل بيتي هو الذي بلغك منازل الأبرار « 2 » .
وقال أيضا : رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه في المنام فقلت : عظني يا أمير المؤمنين ، فقال : ما أحسن
هامش
( 1 ) في الأصل تبييك .
( 2 ) الرسالة القشيرية ص 18 .