مضى بعض الليل أو أكثره فلم يتحرك منهم أحد ولا أثر فيه القول ، فقال الجنيد : يا أبا الحسين ، وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مرّ السحاب ، فأنت يا أبا الحسين ما اثر عليك ، فقال النوري : ما بلغت مقامي في السماع ، فقال له الجنيد : وما مقامك في السماع ، قال : الرمز إليه بالإشارة دون الإفصاح ، والكناية دون الإيضاح ، ثم وثب وصفق بيده فأنشأ يقول :
ربّ ورقاء هتوف في الضحى * ذات شجو صدمت في فنن
فبكائي ربما أرّقها * وبكاها ربّما أرّقني
ولقد أشكو فما أفهمها * ولقد تشكو فما تفهمني
غير أني بالجوى أعرفها * وهي أيضا بالجوى تعرفني
فقام جميع من حضر بقيامه ساعة من الليل .
وروي أنه وقف على رجل يضرب بالسياط ، فعدّ عليه ألفا وهو ساكت ، فاستحسن صبره على كبر سنه ، فلما أدخل الرجل الحبس دخل عليه فسأله عن صبره مع علو سنّه ، فقال : يا أخي ، الهمم تحمل البلاء لا الأجسام ، قال فقلت له : ما الصبر عندكم فقال : الخروج من البلاء على حسب الدخول فيه وقال إبراهيم القصار الرقي : جاءني فقير من أهل بغداد فسألني عن أبي الحسين النوري ، فقلت له : تسألني عن رجل قد أدهشنا حاله ، هو عندنا منذ ثلاث سنين ، سنة لم يكلم أحدا من الناس ، وسنة دار حول البلد ، وسنة أكترى بيتا لم يخرج منه إلا لصلاة الجماعة ، فقال : نعم إياه أريد فدللته عليه ، فلقيه النوري ، فقال له : من صحبت ؟ قال صحبت أبا حمزة ، فقال له النوري : الذي يشير إلى القرب ؟ فقال : نعم ، فقال له النوري : إذا لقيته فأقرأه مني السلام ، وقل له يقول لك أبو الحسين ، قرب القرب فيما أشير إليه بعد البعد .
وروى أنه خرج ليلة من بيته فوجد حارسا وقد تعلّق برجل وامرأة خلف الدرب وهو يقول لهما : لا بد أن أرفعكما إلى الوالي ، فدنا منهم