تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع الأنوار في مناقب الأخيار — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
الحسين النوري إذا دخل مسجد الشونيزي انقطع ضوء السراج ، وإذا حضر معنا لا يؤذوننا البراغيث . روي : أنه كان في بدء أمره مكث عشرين سنة يخرج من بيته ويحمل معه الخبز ثم يتصدق به في الطريق ويدخل مسجدا يصلي فيه إلى قريب من الظهر ، ثم يدخل السوق ويفتح باب حانوته ويصوم فكان أهله يظنون أنه يأكل في السوق وأهل السوق يظنون أنه يأكل في بيته فبقي كذلك إلى مضي عشرين سنة . ونقل عنه أنه حدث عما جرى عليه من الأحوال في سلوك الطريق فقال : اشتغلت بالرياضة والعبادة عدة من السنين فلم يفتح عليّ ، ولم يزل طائر الروح مسجونا في قفص مكائد النفس الأمارة ، فبالغت في الرياضة والعبادة والمجاهدة ، فلم أزل كما كنت ، فقلت : لأعدمن وجودي أو لابلغنّ مقصودي ، وحدثت نفسي وعاتبتها ، فقلت : أما كفاك أن تتبعي الهوى ، وتسلكي سبيل الردى ، وترفلي في ثياب الغفلات ، وتجولي في ميادين المشتهيات ، إلى متى أنت في رذائل الأوصاف ، فقد سبقك الأراذل والأشراف ، أما لك إنقاء ، أما لك إنصاف ، ثم اعتزلت عن الناس ، وتجنبت عن المخالطة بهم والاستئناس ، ولازمت الخلوة أربعين سنة ، لا أذوق طعم النوم ولا سنة ، فلما رجعت إلى أحوالي ، وتبينت بعد ذلك مالي ، رأيت نفسي خالية عن الأحوال ، عارية عن لباس أهل الكمال ، فتفكرت في ذلك وتفحصت عن علّة ضيق المسالك ، فوجدت ذلك بسبب موافقة النفس والقلب في تسويل الأعمال وحب المقاصد والرغبة في الآمال ، فسلكت سبيل اليأس والحرمان ، وقطعت الرجاء عن كل ما سوى الرحمن ، فنلت بقطع الرجاء المرتجى ، وجئت إلى شاطئ دجلة للاختبار عن حالي وتحقيق بلوغ آمالي ، وأرسلت إليها شبكة فقلت : إن كنت من المقبولين فتخرج الشبكة بسمكة ، فخرجت وفيها سمكة كبيرة ، فحمدت الله تعالى بمحامد كثيرة ، وأتيت الجنيد وقصصت عليه القصة فقال : يا أبا الحسين ليست هذه كرامة ، وإنما هي أفعى الندامة وإنما الكرامة ما كانت ،