ولم تكن في البين ، وظهرت من دون وجود الاثنين .
قلت : ورأيت حكاية أمر السمكة بوجه آخر ، قال أبو العباس بن عطاء ، سمعت أبا الحسين النوري يقول : كان في نفسي من هذه الآيات شيء ، فأخذت من الصبيان قصبة وقمت بين زورقين وقلت ، وعزتك لئن لم تخرج لي سمكة فيها ثلاثة أرطال لحم لأغرقنّ نفسي ، قال فخرجت سمكة فيها ثلاثة أرطال ، فبلغ ذلك الجنيد فقال : كان من حكمه أن تخرج له أفعى تلدغه ، انتهى .
وروى أن أحد خواص الخليفة كان يعادي الصوفية ، وينكر عليهم ويكفرهم ، فسعى بهم إلى الخليفة ، فأمر بإحضارهم وضرب أعناقهم ، وفيهم الجنيد والرقام والشبلي والنوري وأبو خمرة وغيرهم ، فقبض عليهم وبسط النطع لضرب أعناقهم ، فتقدم النوري فقال له السياف : أتدري لماذا تبادر ؟ قال : نعم ، قال : فما الذي أعجلك ؟ قال : أوثر أصحابي بحياة ساعة فتحير السياف وأنهى الخبر إلى الخليفة ، فردّ أمرهم إلى القاضي ليتعرّف حالهم ، فنظر القاضي إليهم وخاطب الشبلي أولا لما ظنّ به من الجنون ، وقال له : كم زكاة عشرين درهما ؟ فقال : عشرون درهما ونصف درهم ، فقال : من أعطى الزكاة هكذا ؟ قال : الصديق رضي الله عنه حيث بذل لله ولرسوله ما كان يملكه ، فقال : أحسنت فما معنى نصف الدرهم ؟
قال : كفارة تلك الدراهم .
قلت : قد مرّ في ترجمة الشبلي قدس سره هذا السؤال والجواب بغير هذا الوجه في غير هذا المعرض ، ويحتمل تعدد لوقوع والله أعلم ، ثم ألقى القاضي على الجنيد مسائل فقيه فأجاب عنها ، ثم إلى النوري فأجاب عن الكل ، ثم قال : إن لله عبادا إذا قاموا قاموا بالله وإذا نطقوا نطقوا بالله ، ثم سرد ألفاظا أبكى القاضي ، فأرسل القاضي إلى الخليفة وقال : إن كان هؤلاء زنادقة فما على وجه الأرض مسلم ، فأكرمهم الخليفة بعد ذلك وبالغ في إكرامهم ، وقال : سلوني حوائجكم ، فقالوا : حوائجنا أن تنسانا ، فبكى الخليفة وأمرهم بالرجوع إلى منازلهم
جامع الأنوار في مناقب الأخيار — صفحة 356
مساهمون: عيسى البندنيجي القادري
ص٣٥٦