وقال له لرجل : هل شاهده أحد بحقيقته ؟ فقال : الحقيقة بعيدة ، ولكن ظنون وأمان وحسبان ، وأنشأ يقول :
وكذبت طرفي فيك والطرف صادق * وأسمعت أذني منك ما ليس تسمع
ولم أسكن الأرض التي تسكنونها * لئلا يقولوا : إنني بك مولع
فلا كبدي تهدا ولا لك رحمة * ولا عنك إقصاء ولا فيك مطمع « 1 »
فإذا تراءى له تحقيق حال ، شوّشه بالتلبيس والإشكال .
وروى أن رجلا وقف عليه فقال له : أي صبر أشد على الصابرين ؟
فقال : الصبر مع الله تعالى ، فقال : لا ، قال : الصبر في الله ، فقال : لا ، قال : الصبر لله ، فقال : لا ، فقال : فايش ؟ قال الصبر عن الله ، فصرخ الشبلي صرخة كادت روحه تتلف معها .
وسئل عن الفقر فقال : للفقراء أربعمائة درجة أدناها لو كانت الدنيا كلها لك فأنفقتها في يوم واحد ، ثم خطر ببالك إن لو أمسكت قوت يوم لم تصدق في فقرك .
وسئل عن قوله تعالى : لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ، فبكى وقال : املأها من الشبلي ، وأعف عن عبيدك .
وسئل عن القلب السليم فقال : هو قلب إبراهيم عليه السلام ، كان يسير بقلبه من تحته إلى الوفاء ومن فوقه إلى الرضا ومن يمينه إلى العطاء ومن شماله إلى المنى ومن أمامه إلى اللقاء ، ومن وراءه إلى البقاء .
وسئل عن المحبة فقال : إن المحبة كأس لها وهج وإذا استقرت في الحواس فنيت وإذا تمكنت في النفوس تلاشت ثم أنشأ يقول :
إن المحبة للرحمن تسكرني وهل رأيت محبا غير سكران « 2 »
هامش
( 1 ) الخبر والأبيات في طبقات السلمي ص 347 ، وهي في ملحق ديوانه ص 143 ، ورواية صدر الثالث في الديوان : تهدأ ( بالهمزة ) وهو خطأ تم تصحيحه .
( 2 ) في الأصل أسكرني والتصويب عن الديوان ص 129 .