فكاذب قد رمى بالظن عبدكم * وصادق ليس يدري أنه صدقا
وقال منصور بن عبد الله ، سئل الشبلي وأنا حاضر ، هل يبلغ الإنسان بجهده إلى شيء من طريق الحقيقة ؟ فقال : لا بد من الاجتهاد والمجاهدة لكنهما لا يوصلان إلى شيء من الحقيقة لأن الحقيقة ممتنعة عن أن تدرك بجد واجتهاد ، وإنما هي مواهب يصل العبد إليها بإيصال الحق إياهم لا غير ، وأنشد على أثره :
أسائلكم عنها فهل من مخبّر * فما لي بنعم بعد مكّتنا علم
فلو كنت أدري أين خيّم أهلها * وأي بلاد الله إذ ظعنوا أمّوا
إذا ما سلكنا مسلك الريح خلفها * ولو أصبحت نعم ومن دونها النجم
وقيل له يوما : بأي عمل يصل العبد إلى سيده ومولاه ؟ فقال :
بالغيبوبة عن رؤية علمه والاعتماد على سابق فضله ، فمن طلبه بالمجاهدات فهو بعيد في عين مطالبته عن مطلوبه وأنشد :
أيها المنكح الثريا سهيلا * عمرك الله كيف يلتقيان
هي شاميّة إذا ما استقلّت * وسهيل إذا ما استقل يماني « 1 »
وقيل له : متى تستريح ؟ فقال : إذا لم أر له ذاكرا ، وقيل أنه أذّن مرة فلما بلغ الشهادتين قال : لولا أنّك آمري ما ذكرت معك غيرك .
قلت : هذه قضية الغيرة الحبيّة ، وقد مرّ أنه قال : المحبة أن تغار على المحبوب أن يحبّه مثلك وسئل عن السماع فقال : ظاهره فتنة ، وباطنه غيره ، فمن عرف الإشارة حلّ له استماع العبرة وإلا فقد تعرض للفتنة .
وقال : قدس الله روحه : التصوف الجلوس مع الله تعالى بلاهم ، والصوفي منقطع من الخلق متصل بالحق ، كقوله تعالى : واصطنعتك لنفسي ، قطعه عن كل غير ثم قال : لن تراني .
هامش
( 1 ) البيتان لعمر بن أبي ربيعة الأغاني 1 / 127 .