وصحب أبا القاسم الجنيد ومن في عصره من المشايخ وصار واحد الوقت علما وحالا ، وكان فقيها عالما على مذهب الإمام مالك رضي الله عنه ، وكتب الحديث الكثير ، وروي أنه لما تاب في مجلس خير النساج ، أتى نهاوند وقال : كنت والي بلدكم فاجعلوني في حل ، ومجاهدته في بدايته فوق الحد ، ومن جملة ذلك أنه اكتحل بكذا وكذا من الملح ليعتاد السهر ، ولا يأخذه النوم ، نقل عنه أنه قال : فلما زاد علي الأمر حميت الميل فاكتحلت به وفي رواية أخرى أنه قال : اطلع الحق تعالى علي فقال : من نام غفل ومن غفل حجب ، فكان الشبلي يكتحل بالملح بعد ذلك حتى لا ينام وأنشد في المعنى :
عجبا للمحب كيف ينام * كل نوم على المحب حرام
وقال عبد الله بن محمد الدمشقي ، كنت يوما واقفا على حلقة الشبلي فجعل يبكي ولا يتكلم فقال له رجل ، ما هذا البكاء كله ، فأنشأ يقول :
إذا عاتبته أو عاتبوه * شكى فعلي وعدّد سيئاتي « 1 »
أيا من دهره غضب وسخط * أما أحسنت يوما في حياتي
وقال عبد الله بن محمد الدمشقي أيضا : كنت واقفا على حلقة الشبلي في جامع المدينة فوقف سائل على حلقته وجعل يقول : يا الله يا جواد ، فتأوه الشبلي وصاح وقال : كيف يمكنني أن أصف الحق بالجود ومخلوق يقال في حقه :
[ تعوّد ] « 2 » بسط الكف حتى لو أنه * ثناها بقبض لم تجبه أنامله
تراه إذا ما جئته متهللا * كأنّك تعطيه الذي أنت سائله
ولو لم يكن في كفه غير روحه * لجاد بها فليتق الله سائله
هامش
( 1 ) البيتان في ديوانه ص 92 ، وهما والخبر في طبقات السلمي ص 341 .
( 2 ) في الأصل : تعوّدت ، والأبيات لأبي تمّام : ديوان 2 / 203 ، والثاني منها ينسب إلى زينب بنت الطشرية وزياد الأعجم الوفيات 6 / 375 .