تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع الأنوار في مناقب الأخيار — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
وكان قدس سره يوما جالسا متفكرا حزينا ، فقيل له : ما الذي أحزنك يا أبا القاسم ؟ فقال : فقدت أنسي في الخلوة ، وفقدت الأخوال الذين كنت آنس بهم ، ودون هذا مما يهد البدن ويشغل القلب ، ثم أنشد :
ذم المنازل بعد منزلة النوى * والعيش بعد أولئك الأقوام
وقال يوما لأصحابه : أتدرون أين يذهب بكم ؟ أتدرون لماذا خلقتم وإلى ما ذا تصيرون ؟ فاتقوا الله عزّ وجل واحفظوا ساعاتكم وأوقاتكم فإنها زائلة عنكم غير راجعة إليكم ، والحسرة في فوتها على الغفلة ، فلو بذل أحدكم ما بذل لم يرد وقتا من أوقاته ، فأوصلوا أورادكم وأحزابكم تجدوا منفعتها في دار الإقامة ، ولا يشغلنكم عن الله تعالى قليل الدنيا ، فقليل الدنيا يشغل عن كثير الآخرة . وقال أبو محمد الجريري : كان في جوار الجنيد رجل مصاب في خربة ، ولما مات الجنيد ودفناه ورجعنا من جنازته تقدمنا ذلك المصاب وصعد موضعا رفيعا وقال لي : يا أبا محمد أتراني أرجع إلى تلك الخربة وقد فقدت ذلك السيد ثم أنشأ يقول :
وا أسفي من فراق قوم * هم المصابيح والحصون والمدن والمزن والرواسي * والخير والأمن والسكون لم تتغير لنا الليالي * حتى توفتهم المنون فكلّ حجر لنا قلوب * وكل ماء لنا عيون
وغاب عنا فكان ذلك آخر العهد به . وقال جعفر الخلدي : رأيت الجنيد في المنام بعد موته فقلت له : ما فعل الله بك ؟ فقال : طاحت تلك الإشارات ، وخابت تلك العبارات ، وفنيت تلك العلوم ، ونفذت تلك الرسوم ، وما نفعنا إلا ركعات كنا نركعها في الأسحار ، هذا ولنقتصر على هذا المقدار من مناقبه الجليلة الآثار حامدين لله ومصلين على رسول الله صلّى الله عليه وسلم .