حتى دخل على المأمون أمير المؤمنين ، فسلم عليه فقال : يا ظالم ، إن لم أقل لك يا ظالم ، استغفر الله تعالى من تقصيري فيك ، أما تتقي الله عزّ وجل فيما قد ملكك ، وتكلم بكلام كثير ، ثم أقبل يريد الخروج وأنا جالس بالباب ، فأقبل عليه المأمون وقال : من أنت ؟ فقال : رجل من السياحين تفكرت فيما عمل الصديقون قبلي فلم أجد لنفسي فيه حظا ، فتعلقتك بموعظتك لعلّني ألحقهم ، فأمر بضرب عنقه ، وأخرج وأنا قاعد على الباب ملفوفا في ذلك الثوب ، ومناد ينادي من وليّ هذا فليأخذه ، قال الحارث ، فاختبيت فأخذه أقوام غرباء فدفنوه ، وكنت معهم لا أعلمهم حاله ، فأقمت في مسجد في المقابر محزونا على الفتى ، فغلب النوم عيني فرأيته في المنام وهو بين جوار لم أر أحسن منهنّ وهو يقول : يا حارث أتيت والله الكاتمين الذين يكتمون أحوالهم ويطيعون ربهم ، قلت : وأين هم ، قال :
الساعة يتلقونك ، وإذا أنا بجماعة ركبان ، فقلت : من أنتم ؟ فقالوا : نحن الكاتمون شجونهم المخففون أحوالهم وشؤونهم ، الباذلون نفوسهم ، المطيعون لقدّوسهم ، حرّك هذا كلامك له ، فلم يكن في قلبه شيء مما وصفت فخرج للأمر والنهي فأنزله الله تعالى معنا وغضب لعبده .
وقال قدس سره : عملت كتاب المعرفة واستقصيته وأعجبت به ، فبينما أنا ذات يوم انظر فيه مستحسنا له إذ دقّ إنسان الباب ، فقلت من هذا ؟ فقال : رجل يسأل عن مسألة ، قلت : أدخل ، فدخل عليّ رجل وعليه ثياب رثة فسلم علي وقال لي : يا أبا عبد الله ، المعرفة حق للحق في الخلق أو حق للخلق على الحق ، فقلت له : حق للحق في الخلق ، فقال :
هو أولى بكشفها لمستحقها ، فقلت له : بل حق للخلق على الحق ، فقال :
هو أعدل من أن يظلمهم ، ثم سلم عليّ وخرج ، قال الحارث : فأخذت الكتاب ومزّقته وقلت : لا عدت أتكلم في المعرفة بعد ذلك .
وروي أنه رحمه الله قعد على ركبتيه أربعين سنة ولم يستند إلى شيء ، فسئل عن ذلك ، فقال : أستحي في مشاهدة الرب من أن أجلس وأنا أسيء الأدب وقيل أنشد فوّال بين يديه هذه الأبيات :
جامع الأنوار في مناقب الأخيار — صفحة 293
مساهمون: عيسى البندنيجي القادري
ص٢٩٣