تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع الأنوار في مناقب الأخيار — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
والجنيد بن محمد ، وأبو محمد رويم ، وأبو العباس بن عطاء ، وعمر بن عثمان المكي رضي الله عنهم لأنهم جمعوا بين العلم والحقائق . قيل : إنه ورث من تركة أبيه سبعين ألف درهم فلم يأخذ منها شيئا لأن أباه كان يقول بالقدر فرأى من الورع أن لا يتناولها وقال : قد صحت الرواية عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال لا يتوارث أهل ملتين ، وقيل : أنه خلف أيضا عقارا وضياعا وأموالا كثيرة فلم يتعرض لها ، وروي أن الله تعالى عوضه عن ذلك أنه كان إذا مدّ يده إلى طعام فيه شبهة تحرك على إصبعه عرق فكان يمتنع عنه ، قال الجنيد قدس الله روحه : مرّ بي يوما الحارث المحاسبي فرأيت به أثر الجوع فقلت له : يا عم أتدخل الدار وتتناول شيئا ؟ قال : نعم ، فأدخلته الدار وطلبت شيئا أقدمه إليه ، فلم يكن إلا شيء من طعام حمل إلينا من عرس قوم ، فقدمته إليه ، فأخذ لقمة ووضعها في فيه وجعل يديرها فيه ، فأدارها مرات ، ثم أنه قام وألقاها في الدهليز وخرج على وجهه ، فلما رأيته بعد أيام قلت له ذلك فقال : إني كنت جائعا وأردت أن أسرّك بأكلي ولكن عهد الله إلي بفضله أن يسوغني طعاما ما فيه شبهة ، ولا يمكنني ابتلاعه ، فمن أين كان ذلك الطعام ؟ فقلت : إنه حمل من طعام عرس قريب لنا ، ثم قلت : تدخل اليوم ؟ قال : نعم ، فقدمت إليه كسرات كانت لدينا فأكل وقال إذا قدمت إلى فقير شيئا فقدم مثل هذا . وقال محمد بن خفيف : دخلت يوما على القاضي علي بن أحمد فقال لي : يا أبا عبد الله ، قلت : لبيك أيها القاضي ، فقال : ههنا لكم حكاية يحق أن نكتبها بماء الذهب ، فقلت : أيها القاضي : لا نجد ماء الذهب بل نكتبها بالحبر الجيد ، فقال : بلغني أنه قيل لأبي عبد الله أحمد بن حنبل رضي الله عنه أن الحارث المحاسبي يتكلم بعلوم الصوفية ويحتج عليها بالآي والسنن ، فقال أحمد : أحب أن أسمع كلامه من حيث لا يعلم بي ، فقال الرجل : أنا أجمعك معه ، فاتخذ دعوة ودعا الحارث وأصحابه ودعا أحمد ، فجلس أحمد بحيث لا يراه الحارث ، فدخل الحارث