تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع الأنوار في مناقب الأخيار — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
وأصحابه فحضرت الصلاة فتقدم وصلّى بهم المغرب ، وأحضر الطعام ، فجعل ويأكل ويحدث معهم ، فقال أحمد : هذا من السنة ، فلما فرغوا من الطعام وغسلوا أيديهم وجلس الحارث وجلس أصحابه ، فقال : من أراد منكم أن يسأل عن شيء فليسأل ، فسئل عن الإخلاص وعن الرياء وعن مسائل كثيرة ، فأجاب عنها واستشهد عليها بالآي والأحاديث ، واحمد يسمع ولا ينكر شيئا ، فلما مرّ هويّ من الليل أمر الحارث قارئا أن يقرأ شيئا من القرآن ، فقرأ فبكى بعضهم وانتحب آخرون ثم سكت القارئ ، فدعا الحارث بدعوات خفاف ثم قام إلى الصلاة فلما أصبحوا قال احمد : قد كان بلغني أن ههنا مجالس الذكر يجتمعون عليها فإن كان هذا من تلك المجالس فلا أنكر منها شيئا . وقال أبو العباس الهاشمي من ولد صالح بن المأمون قال : دخلت على الحارث المحاسبي فقلت له : يا أبا عبد الله حاسبت نفسك ، فقال : قد كان هذا قبل ، قلت له : فاليوم ؟ قال : أكاتم حالي ، إني لأقرأ آية من كتاب الله تعالى فأضن بها أن تسمعها نفسي ، ولولا أن يغلبني بها فرح ما أعلنت بها ، وقد كنت ليلة قاعدا في محرابي فإذا أنا بفتى حسن الوجه ، طيّب الرائحة فسلم عليّ ثم قعد بين يدي ، فقلت له : من أنت ؟ فقال : واحد من السيّاحين ، أقصد المتعبدين في محاربهم ، وكم رأيت من العبّاد يجتهدون غاية الاجتهاد ، وأما أنت فلم أجد لك اجتهادا فأي شيء عملك ؟ قلت له : كتمان المصائب ، واستجلاب الفوائد ، فصاح صيحة وقال : ما علمت أن أحدا بين جنبي المشرق والمغرب هذه صفته ، قال الحارث فقلت له : أما علمت أن أهل القلوب يخملون أحوالهم فيكتمون أسرارهم ، ويسألون الله تعالى كتمان ذلك عليهم ، فمن أين تعرفهم ؟ فصاح صيحة أخرى وغشي عليه ، فمكث عندي يومين وهو لا يعقل ، ثم أفاق وقد أحدث في ثيابه ، فأخرجت له ثوبا جديدا فقلت له : هذا كفني قد آثرتك به ، فاغتسل وأعد صلاتك ، قال : هات الماء ، فأتيت به واغتسل وصلّى ثم التحف الثوب وخرج ، فقلت له : أين تريد ، فقال لي : قم ، فلم يزل يمشي
جامع الأنوار في مناقب الأخيار — صفحة 292 | عيسى البندنيجي القادري / أسامة ناصر النقشبندي