قال أبو سليمان الداراني « 1 » : حدثني من أثق به ، قال : رأيت إبراهيم وقد أقبل على بعض إخوانه بطرسوس ، فقال : أتحب أن تكون لله وليا ويكون لك محبا ؟ قال : نعم ، قال : دع الدنيا والآخرة لله عزّ وجل ، قال :
فما أصنع ؟ قال : أقبل على ربك بقلبك ، يقبل عليك بوجهه ، فإنه بلغني أن الله تعالى أوحى إلى يحيى بن زكريا عليهما السلام : يا يحيى إني قضيت على نفسي أن لا يحبني أحد من خلقي ، أعلم ذلك منه من نيته إلا كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ، وفؤاده الذي يعقل به ، فإذا كنت له كذلك بغضت له أن يشتغل بغيري ، وأدمت فكره وأسهرت ليله وأضمأت نهاره انظر إليه في كل يوم سبعين مرة فأرى قلبه مشغولا بي فأزداد من حبّه فأملأ قلبه نورا حتى ينظر بنوري ، أقرّبه مني وأمسح برأسه وأضع يدي على ألمه فلا يشكو إلا إلي لأنه مشغول بحبي عن ألم أوجاعه ، فإنه يعرف الألم إذا فقدني من قلبه ، وعندها يطلبني كما تطلب الوالدة الشفيقة ولدها إذا غاب عنها ، أسمع خفقان قلبه فأقول : ما بال قلبك ؟ فيقول : شفيق على قلبي أن لا يسكن بعد أن مننت عليه بحبك فكيف يسكن يا يحيى قلبه وأنا جليسه ، وغاية أمنيته . وعزتي وجلالي لأبعثنه مبعثا يغبطه النبيون والمرسلون ، ثم أمر مناديا ينادي هذا حبيب الله وصفيّه ، دعاه الله إلى زيارته ، فإذا جاءني رفعت الحجاب فيما بيني وبينه ، فلما ذكر الحجاب صاح يحيى عليه السلام صيحة فلم يفق ثلاثة أيام ، فلما أفاق قال من لم يرض بك صاحبا فبمن يرضى ، وكيف أصاحب خلقك وقد دعوتني لصحبتك .
وقال رضي الله عنه : ما قاسيت شيئا من الدنيا أشدّ عليّ من نفسي مرة عليّ ومرة لي وأما هواي فقد استعنت بالله عزّ وجل عليه فأعانني واستكفيته بسوء مغالبته فكفاني فوالله ما آسي على شيء من الدنيا ، أقبل
هامش
( 1 ) هو عبد الرحمن بن عطية ، أو أحمد بن عطية ، من أهل داربا [ قرية من قرى دمشق ] مات سنة 215 ه ، انظر : طبقات السلمي ص 75 وحلية الأولياء 9 / 254 وطبقات الشعراني 1 / 91 وتاريخ بغداد 10 / 248 ومعجم البلدان ( داريا ) .