وفي كل منزلة أتاها ، حتى وصول مكة في أربع عشرة سنة ، ولما سمع بقدومه خدم الحرم ومشايخه ، استقبلوه إجلالا له ، فلما سمع بذلك إبراهيم جعل يمشي أمام الحجاج وحده لإخفاء حاله على من برز لاستقباله ، فلما وصلوا إليه ولم يعرفوه قالوا له : إبراهيم بن أدهم من هو ؟ فقال : ما لكم ولإبراهيم ، هو رجل زنديق بين الرجال ، فضربوه ضربا مبرّحا وقالوا : تقول فيمن يستقبله مشايخ الحرم أنه زنديق ؟ أنت الزنديق ، فلما عبروا عنه أخذ يقول : كنت تريد أن يستقبلك مشايخ الحرم وما فزت والحمد لله بذلك ، ثم علموا أن الذي سألوه عنه وضربوه هو إبراهيم ، فجاءوا إليه يعتذرون منه ، ويقبلون يديه ، وأدخلوه مكة بالتكريم ،
جاور مكة مدة من السنين يتعيش بالاحتطاب وبغيره من كسب اليمين ، وروي أنه لما خرج من بلدته ، وانفصل عن سلطنته كان له هناك ابن رضيع ، فلما أدرك الحكم وعرف بنفسه سأل أمه عن أبيه ، فقصت عليه أمه قصة أبيه وإنه في مكة الكرمة ، فنوى الولد زيارته وعزم على التوجه إلى مكة ، فأعدّ محامل وهوادج وخياما وسائر الأمور اللازمة ، وأمر مناديا ينادي في بلخ ، من يشتاق إلى حج بيت الله الحرام فليتبعني فاجتمع عليه أربعة آلاف رجل ، فأعد لكل أحد ما يحتاج إليه من المركوب والمطعوم والمشروب ، وأخذ معه أمه ، فبادروا إلى المسير ، وساروا بشوكة غنية عن التحرير ، فلم يزالوا يسيرون ، حتى وصلوا مكة ، فلما دخلوها جعل الولد يتحسس على أبيه ويسأل عنه ، فصادف جماعة من الفقراء الصوفية ، فسألهم عنه ، فقالوا له : هو شيخنا ، ذهب يحتطب ويبيع الحطب ويأتي بالطعام لضيافتنا فذهب الولد نحو الصحراء ، ويجيل نظره يمينا وشمالا ، فبينما هو كذلك إذ رأى شيخا فوق رأسه حزمة حطب ، فعرفه ، تفرسا أنه أبوه ، فاقتفى أثره ، فجاء بحطبه إلى السوق ونادى من يشتري الطيب بالطيب ، فأتاه خباز واشترى منه الحطب وأعطاه بثمنه خبزا ، فأخذ الخبز ورجع إلى أصحابه ، ووضعه بين أيديهم ، ولم يعرّف الابن نفسه لإبراهيم مخافة أن يهرب فرجع إلى أمه وأخبرها بما رأى ، فقالت أمه : حتى نفرغ من أفعال
جامع الأنوار في مناقب الأخيار — صفحة 270
مساهمون: عيسى البندنيجي القادري
ص٢٧٠