الحال ومن هؤلاء الرجال ؟ فقال : يا ابن أدهم عليك بالماء والمحراب ، فلا تذهب بعيدا فتهجر وتهمل ، ولا تأت قريبا فتقتل فإن المباسطة على بساط الملوك بلا أدب مما يوجب الهلال والعطب ، فالذي يفعل هذا بحجاج بيته وسلّاك طريقته كيف يؤمن مكره أم كيف لا يخاف قهره ، ثم قال : يا ابن أدهم نحن طائفة من الصوفية سائرين على قدم التوكل « 1 » في بادية المحبة الإلهية وعاهدنا الله تعالى أن لا نشتغل إلا بذكره ، ولا نطمئن إلا بفكره ، ولا نلتفت إلى غيره ، فقصدنا حج بيت الله الحرام ووصلنا إلى ميقات الإحرام ، فاستقبلنا الخضر عليه السلام فاستبشرنا بلقياه واستلذذنا برؤية محيّاه ، فتحدثنا فيما بيننا ، وقلنا : قد فزنا بالسعي المشكور والعمل المقبول والحج المبرور ، وتم لنا بذلك السرور ، وبينما نحن في ميدان المباسطة نجول وإذا بهاتف يهتف بنا ويقول : أيها المدعين للحب والطامعين في منازل أهل القرب « 2 » ، أين العهد الوثيق ، وأين ما أخذتم على أنفسكم من المواثيق ؟ فغدرتم العهد ونقضتم ، وتركتم ما التزمتم ، ورفضتم فلم تكونوا كما كنا ، إذ خنتم العهد وما خنا ، فلنريقن دمائكم ، ولنقطعنّ من الحياة رجائكم ، فهؤلاء شهداء بسيف ذلك النداء ، وأنت يا إبراهيم إن تجد بنفسك فتقدم ، وإلا فتأخر تسلم ، قال إبراهيم فقلت له :
، أنت كيف سلمت وما هلكت ، وتخلفت عن طريق القوم وما سلكت ، فقال : لما بي من القصور ، ولما أنا عليه من الفتور ، وأرجو الله الذي لا تأخذه سنة ولا نوم أن يوفقني في طريق القبول إلى اللحوق بالقوم ، فلم يتم كلامه إلا وقد قضى نحبه ونال مرامه .
ويروى أنه لما توجّه إلى مكة ما فتر عن العبادة في خطوة خطاها ،
هامش
( 1 ) التوكل : عند الصوفية : غير التوكل الذي هو سلبية وتبطل وإهمال وبعد عن الحق ، والتوكل كما نجده عند الإمام الغزالي ينقسم إلى علم وحال وعمل ( معجم ألفاظ الصوفية ص 93 ) وانظر : الرسالة القشيرية ص 129 .
( 2 ) القرب من مصطلحات الصوفية ، وهو التقرب إلى الله وذلك بكثرة العبادات ، وعمل الطاعات وفي هذا الحال يكون المريد دائم التطلع إلى الله لا يرى شيئا سواه ، معجم ألفاظ الصوفية ص 233 .