حتى يشبعك ، وإذا عطشت فادع الله تعالى به حتى يرويك ، وإذا جالست الأخيار فكن لهم أرضا يطئوك ، فإن الله عزّ وجل يغضب لغضبهم ويرضى لرضاهم ، ثم قال : يا غلام خذ كذا وخذ كذا قال إبراهيم : فلم أبرح ، فقال الشيخ : اللهم احجبني عنه واحجبه عني ، فلم أدر أين ذهب ، فأخذت في طريقي وذكرت الاسم الذي علمني فلقيني رجل حسن الوجه والثياب طيب الريح وقال لي : ما حاجتك ومن لقيت في سفرك هذا ؟ قلت : شيخا صفته كذا وكذا وعلمني كذا ، فبكا ، فقلت : أقسمت عليك بالله تعالى من ذلك الشيخ ؟ فقال لي : ذاك الياس عليه السلام ، أرسله الله إليك ليعلمك أمر دينك ، فقلت له : فأنت يرحمك الله ، من أنت ؟ قال : أنا الخضر ، انتهى .
وروي بنقل المؤلف : أنه دخل نيسابور وأوى فيه إلى غار معروف مشهور هناك ومكث فيه تسع سنين يعبد الله تعالى منعزلا من الناس ، وكان دأبه أنه تخرج من ذلك الكهف كل يوم خميس ويحتطب ويدخل في البلد يوم الجمعة ، وكان بعد أن يصلي صلاة الجمعة يبيع الحطب ويشتري بثمنه خبزا ، وكان ينفق نصف الخبز على الفقراء ، ويمسك النصف الآخر يقتات به ذلك الأسبوع إلى يوم الخميس ، وكان يفعل فيه مثل ما كان يفعل في الخميس الماضي ، واحتاج في ليلة شاتية شديدة البرد إلى الغسل في ذلك الغار ، فقام واغتسل فكاد أن يهلك من شدة البرد فقال في نفسه ليتني صادفت نارا أتدفأ بها في هذه الليلة الباردة ، ثم نام هويّا من الليل ، فاستيقظ ، فرأى في جنبه حيّة كأنها قطعة جبل وهي تدفيه بنفسها وزفيرها ، فهابها إبراهيم وقال : الهي لاطفتني في أول أمري وعودتني أن تريني صورا لطيفة فلا أستطيع تجليك لي بالقهر وأن تريني صورا هائلة كثيفة ، وبينما هو في هذا الحديث وإذا بالحية خضعت بين يديه وغابت ، ولما اشتهر بنيسابور خرج من ذلك الغار وقصد مكة قال : فلما وصل إلى ذات عرق رأيت سبعين صوفيا ماتوا وقد جرى الدم من آذانهم وأنوفهم فعطفت عليهم ، فرأيت واحدا فيه بعض الحياة ، فدنوت منه وقلت ، أيها الفتى ، ما هذه
جامع الأنوار في مناقب الأخيار — صفحة 268
مساهمون: عيسى البندنيجي القادري
ص٢٦٨