الوثير فاضطرب سقف ذلك البيت ، كأن أحدا يمشي على سطحه فنادى وقال من على السطح ؟ فقال : صديق أطلب إبلا فقال : يا جاهل كيف يطلب الإبل في سطح الدار وكيف يجوز ذلك لأولي الأبصار ، قال : يا غافل فكيف يصح أن تطلب العزيز القهار وتنال لديه منازل الأبرار وأنت على الفرش والسرير متنعم بالنعيم والفراش الوثير ، منهمك بالشهوات مغمور بالغفلات ، لاه بالسلطنة الفانية ، ساه عن النعم الباقية ، فدخل الرعب في قلبه ، وأخذت الحيرة لبّه ، ولم ينم إلى الصباح ، فلما أصبح جلس في مجلس الحكمة ، ثم اتفق أيضا أنه كان جالسا في ناديه يوما مع أرباب دولته ، ورجال سلطنته ، إذ دخل عليه رجل ذو هيبة ووقار ، ولم يقدر أحد من الخواص والعلماء أن يقول له من أنت وما مهمك ؟ حتى وصل إلى سرير إبراهيم ووقف لديه فقال له إبراهيم : ما شأنك ؟ وما تعني فقال :
أنا رجل غريب ، وأريد أن أنزل في هذا الرباط ، فقال : إنها دار الإمارة ، وليس برباط ، قال الرجل : فلمن كانت قبلك ، فقال : كانت لأبي ، قال ولمن كانت قبل أبيك فقال : لأبيه ، قال : ولمن كانت قبل أبيه ؟ قال :
لأبيه ، قال : وقبله ؟ فقال : لفلان ، قال الرجل : فكيف لا تكون رباطا وقد انتقلت من قوم إلى قوم ودخلوا فيها طائفة بعد طائفة ، أليس معنى الرباط أن يجيء فيه واحد ويذهب آخر ؟ قال ذلك ومضى إلى سبيله ، فقال إبراهيم نفسه واتبع أثره إلى أن وصله وقال له : أقسمت عليك بالله أن تخبرني من أنت ؟ فقال : أنا الخضر ، فزاد قلبه اكتئابا ، ونار شوقه التهابا ، وتغيّر حاله ، واشتغل باله ، فخرج متصيدا مع أرباب دولته وحزبه ، يقصد انشراح صدره وابتهاج قلبه ، فانفرد من عسكره في ناحية من الصحراء ، فهتف به هاتف ، وقال : يا إبراهيم انتبه من سنة الغفلة ، فلم يلتفت إليه إلى أن سمعه أربع مرات ، ثم سمع صوتا آخر يقول : يا إبراهيم انتبه قبل أن ينبهك الموت ، واغتنم الفرصة قبل الفوت ، ثم إنه رأى ظبيا أثناء اقتناصه وهو يقول له بأفصح لسان وأظهر بيان : يا إبراهيم ألهذا خلقت ، أم بهذا أمرت ، وسمع قبل ذلك من قربوس سرجه فما استيقظ من سنة الذهول ، وهبّت عليه نسمات القبول ، وخرج عما هو فيه من سلطنته ، وتوجه إلى الله بكليّته ،
جامع الأنوار في مناقب الأخيار — صفحة 266
مساهمون: عيسى البندنيجي القادري
ص٢٦٦