فيها عند غيره من سائر الناس وحكي أنه قيل للشيخ رضي الله عنه صف لنا شيئا مما وجدته من أهوال البداية والنهاية من هذا الأمر لنقتدي بك فأنشد شعرا :
أنا راغب فيمن تعزز وصفه * ومناي ألفة من تلاطف لطفه « 1 »
ومفاوض العشاق في أسرارهم * من كل معنى لم يسعني كشفه
قد كان يسكرني مزاج شرابه * واليوم يصحيني لديه صرفه
وأغيب عن رشدي بأوّل نظرة * واليوم أستجليه ثم أزفّه
فقالوا : إنا نصوم مثلما تصوم ، ونصلي مثلما تصلي ، ونجتهد مثلما تجتهد ، ولا نرى من أحوالك شيئا ، فقال : زاحمتموني في الأعمال ، أتزاحموني في المواهب ؟ والله ما أكلت حتى قيل لي بحقي عليك كل ، ولا شربت حتى قيل لي بحقي عليك اشرب ، وما فعلت شيئا حتى أمرت بفعله .
وروى مسندا عن قاضي القضاة أبي صالح نصر بن الحافظ أبي بكر عبد الرزاق بن الشيخ قدس سره أنه قال : قيل للشيخ عبد القادر ، متى علمت أنك وليّ الله ؟ قال : أنا كنت ابن عشر سنين في بلدنا أخرج من دارنا إلى المكتب فأرى الملائكة تمشي حولي ، فإذا وصلت إلى المكتب سمعت الملائكة تقول للصبيان : أفسحوا الطريق لولي الله حتى يجلس ، فمرّ بنا يوما رجل ما عرفته يومئذ ، فسمع الملائكة تقول ذلك فقال لأحدهم : ما هذا الصبي ؟ قال له : سيكون له شأن عظيم ، هذا يعطى فلا يمنع ويمكن فلا يحجب ، ويقرب فلا يمكر به ، ثم عرفت ذلك الرجل بعد أربعين سنة ، فإذا هو من أبدال ذلك الوقت ، قال : وكنت صغيرا في بلد أهلي ، كلما هممت أن ألعب مع الصبيان سمعت قائلا يقول لي : يا مبارك ، فأهرب فزعا فألقي نفسي في حجر أمي ، فأنا إلى الآن أسمع هذا في خلوتي .
هامش
( 1 ) في بهجة المجالس :أنا راغب فيمن يقرب نفسه * ومناسب لفتى تلاطف لطفه