فقال لي : يا بني لم لا تتكلم ؟ قلت يا أبتاه قد ارتج عليّ فقال لي : افتح فاك ، ففتحته فتفل فيه ستا ، فقلت : لم لا تكملها سبعا ؟ قال : أدبا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، ثم توارى عني ، فقلت : غواص الفكر يغوص في بحر القلب ، على درر المعارف فيستخرجها إلى ساحل الصدر ، فينادي عليها سمسار ترجمان اللسان فتشترى بنفائس أثمان حسن الطاعة في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ، انتهى
قالوا : هذا أول كلام تكلم به الشيخ رضي الله عنه على الكرسي ، وروي عن بعض المشايخ وقد حضر مجلس وعظه أنه كان يوما يتكلم في مقامات الواصلين ومشاهد العارفين حتى اشتاق كل من كان حاضرا إلى الله تعالى ، فوقع في خاطري : كيف الطريق إلى الله عزّ وجل ، ونيل المراد ؟ فقطع كلامه والتفت إلى جهتي وقال : بينك وبين نيل مرادك قدمان تقطع بأحدهما الدنيا وبالأخرى نفسك ، ثم ها أنت وربك وأنشد :
على مثل ليلى يقتل المرء نفسه * ويحلو له مرّ المنايا ويعذب
وكان رضي الله عنه يتكلم في ثلاثة عشر علما ، وكان يذكر في مدرسته درسا في التفسير ، ودرسا من الحديث ودرسا من المذهب ، ودرسا من خلاف المذهب والأصول والنحو ، كان يقرأ بالقراءات السبع بعد الظهر ، وقال غير واحد : وكانت الفتاوى تأتي إليه من بلاد العراق وغيره ، وقالوا ما رأيناه يبيت عنده فتوى يطالع فيها أو يتفكر فيها عقيب قراءتها ، وكان يفتي على مذهب الإمام الشافعي والإمام أحمد رضي الله عنهما ، وكانت فتاواه تعرض على علماء العراق فما كان تعجبهم من صوابه أشدّ من تعجبهم بسرعة جوابه .
وروي « 1 » عن الشيخ سيف الدين يحيى بن أبي زكريا بن قاضي القضاة أبي صالح قال : سمعت أبي يحدث عن أبيه عبد الرزاق بن الشيخ أنه قال :
هامش
( 1 ) بهجة المجالس ص 118 .