وقصد إليه طلبة العلم من الآفاق وانتهت إليه تربية المريدين بالعراق ، وأتى مقاليد الحقائق ، وسلمت عليه أزمة المعارف فأصبح قطب الوقت حكما وعلما ، وقام بالنظر والتقوى نقضا وبرما ، وبرهن على العلم فرعا وأصلا ، وبين الحكم عقلا ونقلا ، وانتصر للحق قولا وفعلا ، وصنف كتبا « 1 » مفيدة وأملى ، فسارت بذكره الركبان ، وطارت بصيته إلى الأكوان ، وانتشرت أخباره في الآفاق ، والتوت نحوه الأعناق ، وتنزّهت في حدائق محاسنه الأعين ، واختلفت ببدائع أوصافه الألسن ، فمن واصف له بذي البيانين واللسانين ، ومن ناعت له بكريم الجدين والطرفين ، ومن ملقب له بصاحب البرهانين والسلطانين ، ومن داع له بإمام الفريقين والطريقين ، ومن مسمع له بذي السراجين والمنهاجين ، فأضحى الزمان به كتائبه ، وانتمى إليه جمع كثير من العلماء والفضلاء ، وتلمذ عليه جمّ غفير من الفقهاء والصلحاء ، وهذا المختصر لا يفي بذكرهم على التفصيل ، إذ لا يتحمل الأطناب والتصويب ، وروي بالإسناد عن الشيخ أبي القاسم عمر بن مسعود « 2 » المعروف بالبزاز البغدادي وعن الشيخ أبي حفص عمر الكمياني « 3 » ، وكان ممن تتلمذوا على الشيخ أنهما قالا : سمعنا الشيخ عبد القادر يقول : رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم قبل الظهر من يوم الثلاثاء السادس عشر من شوال سنة إحدى وعشرين وخمسمائة فقال لي : يا بني لم لا تتكلم ؟
قلت : يا أبتاه أنا رجل أعجمي ، كيف أتكلم على فصحاء بغداد ، فقال :
افتح فاك ، ففتحته ، فتفل فيه سبعا ، ثم قال لي : تكلم على الناس وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة فصليت الظهر وجلست وحضرني خلق كثير فارتج علي ، فرأيت عليا رضي الله عنه قائما بإزائي في المجلس
هامش
( 1 ) طبع من مؤلفاته ( الغنية ) و « الفتح الرباني والفيض الرحماني » و « فتوح الغيب » و « الفيوضات الربانية » .
( 2 ) عمر بن مسعود بن أبي العز الفراس ، أبو القاسم الزاهد البزاز ، من أصحاب الشيخ عبد القادر ، بنى لنفسه رباطا سكنه جماعة من الفقراء ، ولد سنة 533 ه وتوفى سنة 608 ه ، المختصر المحتاج إليه 3 / 110 ودليل خارطة بغداد ص 299 .
( 3 ) في البهجة ص 25 العمران الكميماني .