تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع الأنوار في مناقب الأخيار — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
نويت وقصصت عليها قصتي مثل ما رأيت ، وبكت على مفارقتي بذلك السفر إذ حبّ الولد مما جبل عليه البشر ، أذنت لي ، وأسعفتني إلى مطلبي وأعطتني أربعين دينارا وكانت موروثة من أبي ، وأوصتني بصدق المقال في كل حال ، ثم أودعتني إلى الله المتعال ، فأودعتها ورافقت قافلة تسير إلى بغداد والله نعم الرفيق ، فسرنا وإذا نحن بستين فارسا قاطعين للطريق ، خرجوا إلينا ، وشنوا الغارة علينا فأخذوا القافلة ونهبوها وغلبوا أهلها وسلبوها ، وأقبل رجل منهم إلي وأخذ في السؤال عما أملكه وما لديّ من المال ، فقلت عندي أربعون دينارا فقال لي فأين هي فقلت في جيبي ، فظنني هازئا وتركني ومضى ، ثم جاءني آخر وآخر فسألاني وأجبتهما كما تقدم ، فطويا عني كشحا ، وأعرضا ، ثم اجتمعوا جميعا في مكان وجعلوا يقتسمون بينهم ما أخذوه من الأموال ، فقص لرئيسهم أحد أصحابي ما جرى بيني وبينه من سؤاله وجوابي ، فدعاني الرئيس وسألني فأجبته بما مرّ من الجواب ، فأخذ يفتشني ليتبيّن الكذب عن الصدق والخطأ عن الصواب ، فطابق واقع الحال لما سمع مني من المقال ، فظهرت الدنانير والكمال ، فقال أيها الفقير ما سبب إظهار ما لديك في موضع يجب الإخفاء عليك فقلت عاهدتني أمي على الصدق أينما كنت في جميع ما عملت وقلت ، فلزمت ذلك واستقمت بحول الله على ما هنالك ، فلما سمع ذلك الرئيس مقالي ، وظهر لديه خفيّ حالي ، وقد سبقته العناية من مولى الهداية ، تنبه من نوم الغفلة وصحا من سكر ما خامر عقله ، فأخذ يبكي ويظهر الندم ، ويقول : وا زلة القدم طالما خنت عهود المولى ، وعذرت الشروط فإلى متى هذا الخطا وإلى متى إلى ما نهيت عنه أمدّ الخطا ، ثم تاب هو من معه ، وردّوا عليّ وعلى القافلة أموالهم مجتمعة ، ثم لم يزل رضي الله عنه يسير إلى أن دخل بغداد في زمن يسير سنة أربعمائة وثمان وثمانين ، وشرفها بيمن أقدامه الميامين ، فاشتغل بالفقه والحديث والتفسير وسائر العلوم ففاز منه من النصيب منها ما تعجز عنه الرقوم ، انتهى .
جامع الأنوار في مناقب الأخيار — صفحة 218 | عيسى البندنيجي القادري / أسامة ناصر النقشبندي