وفي تاريخ بغداد « 1 » ووفيات الأعيان « 2 » أن أبا حنيفة كان له جار اسكافي ، فيعمل نهاره فإذا رجع إلى منزله ليلا تعشى ، ثم يشرب فإذا دبّ الشراب تغنى بهذا البيت فقال :
أضاعوني وأي فتى أضاعوا * ليوم كريهة وسداد ثغر « 3 »
ولا يزال يشرب ويردد هذا البيت حتى يأخذه النوم ، وأبو حنيفة يسمع جلبة كل يوم وكان أبو حنيفة يصلي الليل كله ، ففقد أبو حنيفة صوته فسأل عنه فقيل له أخذه العسس منذ ليال ، فصلى أبو حنيفة الفجر من غداة ثم ركب بغلته وإلى دار الأمير « 4 » واستأذن عليه فقال ائذنوا له وأقبلوا به راكبا ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط ففعل به ذلك فوسع له الأمير من مجلسه ، فقال له ما حاجتك ، فشفع في جاره فقال الأمير ، أطلقوه ، وكل من أخذ من تلك الليلة إلى هذا اليوم ، فخلوهم أيضا يذهبوا فركب أبو حنيفة بغلته والإسكافي يمشي خلفه فقال له أبو حنيفة يا فتى هل أضعناك ، فقال بل حفظت ورعيت فجزاك الله خيرا من حرمة الجوار ثم تاب الرجل ولم يعد إلى ما كان يفعل .
وكان لا يقبل الهدايا والعطايا من الملوك والأكابر ويتعيّش من كسبه الحلال ، وكما كان ينفق على نفسه وأهله للمطعم والملبس كان ينفق مثله على العلماء والفقهاء .
وحكى الإمام الصيمري عن مصعب بن خارجة على ما نقله المؤلف أنه كان قصد بيت الله الحرام وعنده جارية ، فأودعها الإمام أبا حنيفة وسافر إلى مكة فأقام فيها أربعة أشهر ثم رجع إلى الكوفة ، فاستخبره عن الجارية وأطوارها ، فقال والله ما أبصرتها ولا سمعت صوتها ، فأخذ
هامش
( 1 ) تاريخ بغداد 13 / 362 ووفيات الأعيان 5 / 410 والخبر أيضا في الأغاني . 1 / 428 وحياة الحيوان 1 / 231 .
( 2 ) تاريخ بغداد 13 / 362 ووفيات الأعيان 5 / 410 والخبر أيضا في الأغاني . 1 / 428 وحياة الحيوان 1 / 231 .
( 3 ) البيت للعرجي ، عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان ( الأغاني 1 / 396 ) .
( 4 ) هو عيسى بن موسى كما في الأغاني 1 / 396 .