إلا وقد فاق الأقران ، وأشير إليه بالبنان ، وصار أول من استنبط الأحكام وأسس قواعد الاجتهاد ، وذكر في كتاب ( جامع اليسير ) أن أبا حنيفة رأى فيما يراه النائم أن ينبش مرقد النبي صلّى الله عليه وسلم ، فقصّت على ابن سيرين فقال صاحب هذه الرؤيا يظفر بأوفر نصيب من العلم وينشر علمه على صفحات الدنيا ، وبالجملة كان عالما ملأ علمه الخافقين ، وعاملا كاد عمله يعجز الثقلين قال الكمال الدميري في حياة الحيوان « 1 » ، قال الشافعي : قيل لمالك هل رأيت أبا حنيفة ، قال نعم رأيت رجلا لو كلّمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجته ، وكان الشافعي يقول : الناس عيال على أبي حنيفة في الفقه وعلى زهير بن أبي سلمى في الشعر وعلى محمد بن إسحاق في المغازي وعلى الكسائي في النحو وعلى مقاتل بن سليمان في التفسير ، وكان أبو حنيفة إماما في القياس وصلّى صلاة الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة ، قلت : ونقل عن عبد الله بن المبارك رضي الله عنه أنه قال صلّى أبو حنيفة الصلوات الخمس أربعين سنة بوضوء واحد ، وكان عامة ليله يقرأ القرآن في كل ركعة واحدة ، وكان يبكي في الليل حتى يرحمه جيرانه ، وختم القرآن في الموضع الذي توفى فيه سبعة آلاف مرة ، ولم يفطر منذ ثلاثين سنة ، ولم يكن يعاب بشيء سوى قلّة العربية حكى « 2 » أن أبا عمرو بن العلاء سأله عن القتل بالمثقل أهو يوجب القود ، فقال لا على قاعدة مذهبه ، خلافا للإمام الشافعي ، فقال أبو العلاء ، ولو قتله بالمنجنيق ، فقال ولو قتله بأبا قبيس ، يعني الجبل المطل على مكة ، وقد اعتذر عن أبي حنيفة بأنه قال ذلك على لغة من يعرب الأسماء الستة بالألف في الأحوال الثلاثة وأنشدوا على ذلك
أن أباها وأبا أباها * قد بلغا في المجد غايتاها
وهي لغة الكوفيين ، وأبو حنيفة من أهل الكوفة ، انتهى .
هامش
( 1 ) كمال الدين الدميري : حياة الحيوان الكبرى 1 / 231 .
( 2 ) وفيات الأعيان 5 / 410 وتاريخ بغداد 13 / 362 وحياة الحيوان 1 / 231 .