يستعمل أكل البرش المعجون « 1 » المعلوم ويستغرق به . وكانت عنده كتب نفيسة . ويجري بينه وبين أدباء دمشق وأعيانها المطارحات والنكات والنوادر . ويستعذبون حركات المترجم ونوادره المضحكة . فمن ذلك ما كتبه إليه الأديب السيد محمد الراعي هاجيا له بقوله :
جرّت عليك من الشقاء ذيول * وعليك من برد العناء خمول
يا باذلا نقد المضرّة للورى * ها أنت ذاك البارد المخبول
سدت اللعين بمكره وخداعه * وعليك فعل الملحدين قليل
وأراك في نشر الرذالة لاهيا * عبثا بأعراض الأنام تجول
ومددت باع الشر منك لضيغم * يسطو عليك ببأسه ويصول
مسّ الكلاب محرّم في شرعه * لكن لخذلك يا لكاع فعول
ما في الزمان مذمّة ومذلّة * إلا وأنت بطينها مجبول
أقصر عناك فأنت في الدنيا قذى * لرجيع أحبار اليهود أكول
وعيوب نفسك لو تعدّ ألوفها * أهل الحساب لكان ذاك يطول
هذا وربّ الدار يعلم ما بها * لكن لعمري بالسوى مشغول
يغضي عن الداء الدفين بجسمه * جهلا به أو أنّه المعقول
كلّا بل الرجل البصير بعيبه * عن جلّ أرباب الحجى منقول
عهدي بك الأمسى فقاع الفلا * واليوم في كسب الملامة غول
شر عليك فعالك الذم الذي * يأباه شرّ الخلق يا مذهول
محصية تأتيك في يوم به * كل امرئ عمّا جنى مسؤول
وبالجملة فقد كان المترجم من محاسن دمشق . وكانت وفاته في سنة ثمانين ومائة وألف .
ودفن بتربة الباب الصغير . رحمه اللّه تعالى .
مصطفى العمري - 1143 ه
مصطفى بن عبد القادر بن بهاء الدّين العمري المعروف بابن عبد الهادي الشافعي الدمشقي .
البارع الفاضل ، التقي النقي ، الدّيّن الكامل .
ولد في حدود سنة سبع وتسعين وألف . وتوفي والده العلامة الفاضل وهو ابن ثلاث سنين فنشأ يتيما . وطلب العلم فقرأ على جماعة من الشيوخ في عدة فنون . وبرع في النحو والمعاني والبديع .
هامش
( 1 ) من أنواع المخدرات ، وكان شائعا في ذلك العصر ، وللفقهاء فيه آراء مختلفة .