فليلة الخان حوت كل الأذى * بريحه ورمله وصوت ذا
ثلاثة نلنا بها غثاثه * وبالغت في ضرنا الثلاثة
ثم ارتحلنا بعد للمعره * وهي لعمري للصلاح ضره
بها وجدنا رجلا مجنونا * وقد تسمى بينهم دحنونا
يقول من ذا يبتغي الرضوانا * يفعل بي فيدخل الجنانا
وعين الفعل بسبع عشره * ويكثر الفوز لمن قد كثره
يكبس النساء والرجالا * والكل منهم طالب منالا
يرجون من تكبيسه الشفاء * ويدعون كم أزاح داء
هذا الذي منهم بدا علانيه * والله أدرى بالتي في الثانية
فقبح الله بني المعره * وشبهها في الناس ألف مره
ثم ارتحلنا عند ضوء الفجر * حتى اتوا سرمين بعد الظهر
وفي الصباح قصد الركب حلب * وسرت للفوعة من أجل الإرب
وصاحبي الفذ الحسين المنتقى * ومن بحمص كان فيه الملتقى
حتى نزلنا بالهمام المتقي * محمد ابن الفاضل الحبر التقي
وقد حبينا منه بالاكرام * والبر والاحسان والإنعام
وما عجيب منهم الافضال * لحالة موروثة تدال
وهو يزيد البشر آنا آنا * ويتبع الحسنى له احسانا
وقد أقمنا عنده ثلاثا * وزاد في ايناسه اكتراثا
ثم توادعنا وسرنا صبحا * مع صحبة حوت تقى ونجحا
حتى وردنا حلبا عصيرا * وكم شهدنا جامعا وديرا
ثم تلاقينا مع الرفاق * وانضم مشتاق إلى مشتاق
فلم نجد في حلب ما ينتقى * غير الشقاق والنفاق والشقا
وقد رأينا جامعا عظيما * مزخرفا منوعا قديما
تتيه فيه العين والألباب * وكم تليه خوخة وباب
مرمره في الأرض صفو الماء * يريك شكل الطير في السماء
وكم به من منبع وساقيه * وبركة لها سقوف واقية
يجري إليها الماء صاف يلمع * كذاك منها لسواها يسرع
ترى صفاء الماء في الرخام * كأنه الخيال في الأوهام
ولا أزيد وصفه خوف الملل * فاعتبر الجامع في حسن العمل
تسعة أيام أقمنا عددا * ثم ارتحلنا حيث نبغي المقصدا
سرنا صباحا حيث طاب السرى * حتى وردنا اخترين عصرا
وقاصرون بعدها ونزبا * كلا اتيناها نزولا مغربا
ثم وردنا لبراجيك ضحى * وقد تعسفنا عبورا وانتحا
بها أقمنا ليلة ثم إلى * نحو هربزان قصدنا منزلا
فضل في طريقنا الدليل * وما له الا النجا سبيل
فثم أم الركب بوغزلانا * ظهرا وما أطيبه مكانا
لنشأة الأمواه والأزهار * للطير تغريد على الأشجار
بها أقمنا لغروب الشمس * على ارتياح وصفا وأنس
ثم سرينا الليل سيرا ضبحا * حتى وردنا هربزان صبحا
ويومه الثاني ارتحلنا فجرا * حتى وردنا نحو ( ارفا ) ظهرا
بها شهدنا بركة الخليل * تجري بها الحيتان كالخيول
فلو وزنت الماء والحيتانا * زادت على مياهها رجحانا
كأنها السطور حشو الطرس * آمنة من صائد ومس
والمنجنيق اثره مبين * يخبر عما ارتكب اللعين
ومات في الركب شقي محرب * يدعى غزالا وهو كلب أجرب
فعوق الركب عن المسير * ضحى إلى أن حل في القبور
فكان ذا عن البكور عذرا * لذا وردنا جلمان ظهرا
ثم سرينا في الدجى وشيكا * حتى الغروب فوردنا نيكا
وحينما طير الثريا جنحا * سرنا فجئنا لسويرك ضحى
فأخبرت ناس لهم درايه * بحالة اللصوص والسعايه
بأن قوما من عتاة العرب * هم مائتان ولنا في طلب
كانوا لنا مرتقبين مذ سرى * ركب لنا فخيبت ان تظفرا
وقد بقي عميدنا محتارا * ليلا يرى المسير أم نهارا
من اي وجه يأخذ الطريقا * وهو بسكر الفكر لن يفيقا
حتى استقر الرأي عن نهوك * ان يسري الركب إلى شرموك
خرافة
وفي سويرك شهدنا آية * ثابتة بالنقل والدرايه :
أن بها من عصبة المختار * ستة أجسام بلا تواري
أجسامهم على مرور الحجج * باقية تنمو بطيب الأرج
واحدهم شيخ كبير أشيب * يدعى عليا وهو فيهم معطب
مبضع الصدر طعين الخاصره * باد لعيني ناظر وناظره
وابنان في جنبيه وابنتان * وزوجة له على البيان
وهم على مرتفع كالمصطبة * أجسادهم مصفوفة مرتبه
هذا ونحن حين جئنا للمحل * شمناه صدقا مثلما الرائي نقل
سوى الجسوم كل جسم جعلا * خلال تابوت رفيع اعتلى
ثلاثة كنا به تماما * قد التمسنا من يلي الأجساما
ان يفتح التابوت للمشاهده * وبعد بذل الجهد والمراوده
قد قابل التابوت بالتعظيم * وقارن الآداب بالتسليم
وكان تابوت علي مثلما * يدعى وقد كان الغطا مسنما
فمذ تجلى النور من حجابه * واسفر البدر بلا نقابه
مددت طرفي نحوه تأملا * رأيته بالقطن قد تزملا
سوى قليل من محياه بدا * وسائر الجسم عن العين ارتدى
ورام ان يكشف عن كل الجسد * لكي نراه عن ثبات معتمد
فمد واحد يديه عاجلا * خلاله فاغتاظ ذاك قائلا :
ما هذه حسن سجايا وأدب * وأغلق الباب وما نلنا الإرب ( 1 )
ثم رجعنا لمحط القافلة * وقد أخذنا كلما نحتاج له
حتى إذا أربى الظلام سترا * سرنا لشرموك فجئنا عصرا
بها أقمنا ليلة وأخرى * لم نلف الا برة وبرا
وقد وجدنا عندها حماما * بلا وقيد لاهبا ضراما
به اغتسلنا وجميع من حضر * ثم تهيأنا إلى حيث السفر
حتى إذا ما كان قبل الفجر * سرنا فجئنا الخان بعد الظهر
وكان نزل من بني الأكراد * بالقرب منه عيبة الفساد
تغتنم الفرصة في الحرام * والكل عاط جذر اللئام
وحولنا الأجناد كل محترس * يشبه ذا اللبدة حين يفترس
والخان مدعو بخان كفر * منه ارتحلنا لديار بكر
وقد نزلنا ثم بئس المنزل * خان لأرذال الطغام معقل
أعيان الشيعة — صفحة 549
مساهمون: السيد محسن الأمين
ص٥٤٩