وصاحب الخان لئيم الذات * منغمس بأرذل الصفات
يدعى بعبد الله في الاسماع * وهو عبيد الخزي والأطماع
كم رام فينا عثرة وما ظفر * وكم لتأييد الاله من عبر
فنقمة الله عليه ابدا * ما هبت الريح على طول المدى
والرأي قد اجمع منا في السرى * بدجلة والحال قد تعذرا
لصادر التحريج في الأكلاك * وضبطها لذخرة الأتراك
وثم آلات حروب وعدد * لنحو بغداد لأمر قد ورد
ونحن في امر السرى حيارى * انكتري ظهرا أو اصطبارا
واختزلت جماعة منا على * مسيرها برا ليأس حصلا
فعندها شمرت عن ساق الهمم * أشد للسعي وللجهد الحزم
نظمت مدحا للوزير أحمدا * أبديت من بعد الثناء المقصدا
فمذ تلاها باعتناء وابتهر * أوما باحضاري لشخص وامر
ومذ رآني أظهر التعظيما * وأكثر الآداب والتسليما
أومأ إلى جانبه لمجلسي * بطلق وجه بالجمال مكتسي
وكان لي بالصحبة ندب أغر * وهو الحسين الماجد الفذ الأبر
فأخرج التوقيع بالمطلوب * في غاية المأمول والمرغوب
وأرسل التابع للديوان * توصية باللطف والاحسان
بكل ما نريد ان لا يمتنع * من كلك أو عبرة أو مجتمع
وحين قمنا قام للاجلال * يشير بالمعروف والافضال
حتى اتينا صاحب الديوان * فبلغ المأمور باللسان
ما قاله الندب الوزير ، وامر * فجئ بالكلاك حالا فحضر
فبلغ الأمر وأوصوه بما * أوصى به الفذ الوزير مكرما
فثم بادرنا لخير نقله * من ذلك الخان لشاطي الدجله
به أقمنا عن تعلات الونى * خمسا وليس السير فيها ممكنا
وعلة الإمهال للأماني * نسري مع الاكلاك للأمان
وقد أقمنا في ديار بكر * سبعا وعشرا في هنا وضر
ثم سرينا نقتفي التوكلا * على الرؤوف البرنبغي الموصلا
وكان ماء دجلة ضعيفا * وسيرنا كان به عنيفا
كم شعبة للماء فيه تفترق * لضعفه ونحن فيها نخترق
فجزرة تأتي عقيب جزره * يستوقف الكلاك فيها العبرة
حتى وردنا الحصن بعد الظهر * رابع يوم من ديار بكر
وهو الذي يدعى بحصن كيفا * وقد بدا عالي الذرا كنيفا
والنهر في واديه يجري سائلا * مدفقا كالسهم يرمي صائلا
بيوته تسمو على ارتفاع * مبثوثة كالوشم في الذراع
فبعضها تحت وبعضها عمل * وبعضها جامع دين مختزل
فكم بها من جامع قديم * ومدرس أعد للتعليم
وكم قصور رفعت وصرح * يطول فيها ان وصفت شرحي
قديمة الآثار من عهد القدم * تنبئ عن ثروة من صاروا رمم
وأهلها جميعهم أكراد * دأبهم الشقاق والفساد
وما لبثنا دون ان شرينا * ما نبتغي وبالوحي سرينا
من ثم كان الماء في ازدياد * فارتاحت الأنفس في المهاد
حتى وردنا بعدها الجزيرة * وهي لعمري بلدة خطيره
وقد خلت من نضرة ومن شجر * ومن قصور ترتقى ومن أثر
وما بها سوى المياه دائره * مثل الغواة حول بنت حاسره
رخيصة الأسعار خذ ولا تسل * اللحم والسمن كثير والعسل
وأهلها في الخفض والليانة * كأنها العانة في المثانه
وهم من القوم الأولى عنها كشف * غطاؤها ومن رآها يعترف
بها أقمنا ليلة وأخرى * ثم سرينا حيث طاب المسرى
حتى وردنا موصلا في الخامس * وهي لعمري مجمع النفائس
وقد نزلنا الخان حول الجسر * فزال عنا فيه كل عسر
لما به من نشأة ولطف * يطول شرحي فيه حين وصفي
بالجانب الشرقي زرنا يونسا * في نينوى طابت هناك مغرسا
وقبره على كثيب مشرف * منوع التحسين بالتزخرف
معظم بناؤه رحب الحرم * زواره كثيرة جم الخدم
مختلف الوضيع والشريف * وموئل الأقيال والضعيف
فليس يخلو قبره من زائر * بكل آن ذاهب وغابر
ثم قفلنا نبتغي المنالا * نزور جرجيس ودانيالا
قبراهما بالجانب الغربي * جئنا اليهما بغير عي
حتى أتينا دانيالا أولا * وقد رأينا مرقدا مبجلا
معظم الشعار في الآثار * منوع الاشكال في الاستار
رحب المكانين ضريح وحرم * خلاله الزوار كثر والخدم
بقربه قبر أويس القرني * خلال سرداب قديم قد بني
ثم قصدنا بعده جرجيسا * وقد رأينا مرقدا نفيسا
معظم الشعار في البناء * سامي الذرا متسع الأرجاء
أستاره من الحرير السندسي * بعض وبعض من حرير أنفس
قد زاد بذل المال في اصطناعه * مع سعة الضريح وارتفاعه
وما يلي الضريح رحب والحرم * يكثر فيه الزائرون والخدم
متصلا بجامع أعظم به * من جامع بصنعه ورحبه
ثم انثنينا بعد انهاء الوطر * من الصلاة والدعاء والنظر
نطوف في المدينة اعتبارا * نعتبر الأحوال والآثارا
فكم بها من اثر قديم * وكم بها من معبد عظيم
وهي لعمري بلدة عظيمه * أحوالها باللطف مستقيمه
فماؤها دجلة والهواء * فيها لكل علة شفاء
زاهية الجنات بالأشجار * لكثرها رخيصة الأسعار
وخبزها مثل صدور غيد * مهفهفات كاعبات رود
أشهى إلى العين من الرقاد * من ناعس بالغ في السهاد
كذلك القمير كالزنود * منهن والتفاح كالخدود
والضرب الماذي كالرضاب * من فم من تهوى من الأحباب
أحلى من الوصل عقيب الهجر * ومن منال القصد بعد الصبر
ولا أطيل الشرح في حسن الثمر * فعن جنان الخلد قد ذاع الخبر
سبعة أيام بها أقمنا * ثم إلى تكريت قد عزمنا
حتى إذا تمت ليال أربعة * جئنا لتكريت بخفض ودعه
وهي لعمري بلدة سخيفه * وأهلها كالدود وسط جيفه
وما بها شئ يسر الناظر * به سوى البطيخ وهو وافر
كذا النساء كالظباء في الحور * والحسن والرجال أمثال البقر
بها أقمنا ليلة أخرى * ثم سرينا فوصلنا عصرا
لنحو سامراء فابتدرنا * سرعان للمزار فاغتسلنا
والكل منا شيق طروب * للشوق في احشائه وجيب
أعيان الشيعة — صفحة 550
مساهمون: السيد محسن الأمين
ص٥٥٠