طلب أحد الشعراء لنفسه امارة الشعر فأرسل يبايعه بهذه الأبيات :
أبا معن لقد أصبحت فخرا * لأهل الفن في المعمور أجمع
فما من بلدة في الأرض الا * ونجمك في سماها بات يسطع
من البحر المحيط بأرض صور * إلى الجبل المقيم عليه ( يوشع )
لأنك أشعر الشعرا جميعا * وأكرم من فتى عيسى وأشجع
وخصك فوق ذلك رب موسى * بحسن نلته مذ كنت ترضع
فصرت حديث السنة العذارى * إذا ما راح يجمعهن مخدع
وان يوما رأينك في طريق * تكاد ظهورهن لذاك تخلع
وتجمد أعين ويسيل ريق * ويخفق نابض ضمته أضلع
وأنت بهن لا تبدي اعتناء * كأن أخت الغزال لديك ضفدع
وما في ( خرجك ) المدلى ارتخاء * ولا ( المعلوم ) جار عليه مبضع
ولكن قد شغلت عن الغواني * بنظم قصيدة وبقذف مدفع
إلى أن صرت اشعر من جرير * ومن سبع الفلاة غدوت أشجع
ونلت امارة الشعراء طرا * وصرت لهم مدى الأيام مرجع
وارسل إلى السيد نور الدين هذه القصيدة في بلدته النبطية :
إليك أبا الخطاب ترجع بي الذكرى * وتبعث بالأطياف حالمة سكرى
تعود إلى ماض حبيب حييته * واخوة صدق عشت بينهم دهرا
فكانوا لآلامي المريرة بلسما * وفي أفق عيشي اطلعوا أنجما زهرا
سراة كرام كلهم أريحية * بطيبهم فاضت ديارهم سحرا
نسيت لديهم كل حيف لقيته * وأنقذت نفسي من جهنمي الحمرا
وصرت أحس القلب يعمر بالرضا * وان نواحي النفس قد ملئت بشرا
فيا طيبه عهدا لديهم قضيته * غنيت به عن أن أفكر بالأخرى
فروح وريحان وصحبة ماجد * وألوان فن لا أطيق لها حصرا
بها خصني ربي فأسرى بعبده * إلى دار نعماه تبارك من أسرى
وبورك مسريا به دون غيره * ليبدل بالاعسار من عيشه يسرى
علي لكم دين أود وفاءه * تحملته دهرا ونؤت به ظهرا
وقد آن لي رد الجميل لأهله * ولم يعد الانصاف يقبل لي عذرا
فلو كان بالامكان صهر عواطفي * ملأت سماكم من تفتقها عطرا
ولو انني أستطيع عصرا لمهجتي * لكنت أسلت الأرض من تحتكم خمرا
ولو أظهرت لي ليلة القدر مرة * لطالبتها ان لا تشيب لكم شعرا
ولكنني والحمد لله عاجز * فلا نفع عندي ترتجيه ولا ضرا
أيمنح شعرا أصلع الرأس أقرع * ويحمي سواه من بلحيته جرا
ويعطي نوالا من إذا ما بلوته * تأملت سوس الفقر ينخره نخرا
فلم يبق لي والحال ما قد علمته * سوى أضعف الايمان أرسله شعرا
لأجل بني ( الأنباط ) أبدلت قبلتي * وحولت وجهي نحو أرضك يا ( بترا ) ( 1 )
وعفت لأجل الأريحية موطني * وأبناءه من نسل سيدتي الزهراء ( 2 )
أولي المجد من عليا نزار وهاشم * بموكبهم تمشي بأبطالها ( شقرا )
فيا واقفا في الدرب انج فبأسهم * يريك نجوم الليل طالعة ظهرا
ويا ارض ميدي يا جبال تدكدكي * فقد زحف الايمان يقتلع الكفرا
وهذا هو التاريخ يرجع نفسه * فأجدادهم من قبل قد سحقوا كسرى
وليس بعيدا ان يجدد عهدهم * ويستملكوا الأجواء والبر والبحرا
فكيف لمثلي ان يشق طريقه * وقد قامت الدنيا قيامتها الكبرى
وما لي من بأس أخيف به امرئا * ولا همة قعساء تقتلع الصخرا
ولا لي وجه يكسف الشمس نوره * ولا لحية شقرا ولا عمة خضرا
فما انا الا غلطة في صحيفة * يمر بها القراء مرا ولا تقرا
ولست إذا ما المجد عد قطيعه * سوى عنزة من بعض ( معزته العرا )
فما لي والأمجاد تنفخ معدتي * وتجعلني كالطبل تشبعه نقرا
وتفرغ قلبي من طباع رضية * وتجعل مني الرأس من سخفه قفرا
فلا ارتضي الا المجرة مسكنا * وغير رفيع النجم لا اعتلي مهرا
وابصر نفسي محور الكون كله * وأوسع من في الأرض قاطبة فكرا
أديب لبيب فيلسوف محنك * خطيب يسيل القول من فمه درا
مكر مفر مدبر مقبل معا * إذا ما رآني الفيل من خوفه فرا
بدوني لا يرجى صلاح لامة * ولا ترتضي غيري يدير لها أمرا
وأمضي وشيطان الغرور يقودني * يطبل لي طورا ويرقص لي طورا
وتحملني الأوهام فوق أكفها * كما تحمل الأرياح في متنها قشرا
فأغفو كما يغفو معاقر خمرة * وقد عب منها دون ما ( مازة ) لترا
وتأخذني غيبوبة مضرية * فأحلم ان الكون قد دان لي طرا
وقد أعشت الابصار أنوار عزتي * وسجل لي التاريخ في سفره سطرا
( دخيلك ) نور الدين يا بدر ديننا * وأكرم بدين نصطفيك له بدرا
أعود إليك اليوم أبدي ندامتي * وارفع من بعد العقوق لك العشرا
والقي العصا كي يستقر بي النوى * واكسب بعد الاثم في قربك الأجرا
فقد ضل سعيي حين رحت ميمما * بلادا ترى سهل الحياة بها وعرا
يود أخو الاحساس لو أن اذنه * اصمت بها أو ان مقلته عورا
فلا عين تبكي أو جوارح تشتكي * ويسكن قبل الموت في بيته قبرا
فدعني يا مولاي ألتمس الرضا * وأغرف من أنوار طلعتك الغرا
وألثم يمناك الطهور تبركا * واشفع بالتقبيل راحتك اليسرى
وما زلت كالماضي رسول هداية * بتقواك نستشفي ونستنزل القطرا
ومثلك من يرجى لمن ضل دربه * وفي خدمة الشيطان قد ضيع العمرا
فأيقن ان الحب خير شريعة * وغير طريق الحق لم ينتح مسرى
وراح بعيدا عنك تشغله المنى * ويغرق في الآمال تحسبها بحرا
والهته ألوان الجمال بسحرها * فأسرف بالامعان في أثرها سيرا
وأهمل اعطاء الفضيلة حقها * فلم يستغب زيدا ولم ينتقد عمرا
وأبعد عنه البغض والحقد والأذى * وظن بكل الناس من جهله خيرا
وأرسل إلى السيد نور الدين هذه القصيدة بانتهاء شهر رمضان :
حكم نعالك في رقاب الحسد * حيث التقيت بهم ولا تتردد
نازلهم لا تخش فعل نعالهم * ان قاوموك وفي المنازلة أصمد
وابعث عليهم من لسانك عاصفا * يلقي بهم في بحر غيظ مزبد
( لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ) * اما سكت وكنت مكتوف اليد
هامش
( 1 ) البتراء عاصمة النبطيين ويقصد بها هما ( النبطية ) حيث يقال إنها تنسب إلى الأنباط كما يزعم
بعضهم .
( 2 ) بلدة المترجم .