عفوا أبا الخطاب ان انا شاقني * مع من أحب على البعاد حوار
واتيت من منفاي ابعث زفرة * من مهجتي وكأنها اعصار
فتقبل النجوى ولا تك لاحيا * ان ساء مني الورد والاصدار
وغفلت عما أنت فيه من العنا * وبما تنوء بعبئه وتحار
ورميت أثقالي عليك لحملها * وكأنما للشحن أنت قطار
فاصبر أخا أيوب كالسبع الذي * وفي العلى لما اعتلاه حمار
وأبى التهرب من قضاء نازل * لو مد في غار لسد الغار
وتحمل البلوى ولو من حملها * قد قطعت من شرجه الأوتار
فجنى الخلود لذكره بابائه * وعلا قفاه من الصمود وقار
فلنبق قطبي نخوة وحمية * وليحي فينا الصدق والايثار
أيكون سبع الغاب أوفى ذمة * ممن نماه إلى الفخار نزار
لأكنت من عليا نزار ان انا * لم يعل رأسي من قفاي الغار
واعز مني عند ذلك أرنب * وأجل مني القط بل والفار
ها ان نوارا مضت أيامه * فهل اصطفاك بمتعة نوار
يا شهر نوار وثغرك باسم * ورحيب صدرك بالهوى موار
وخدينك النهر المصفق ماؤه * ولدانك الأزهار والأطيار
لا لامست قدماك أرضا أهلها * عمي العيون قلوبهم أحجار
ما أنت الا نفحة من جنة * فانجح بنفسك انهم كفار
وعلى ذرى جبل ( الرويس ) ( 1 ) وسفحه
حط الرجال فتلك نعم الدار
فهناك أهل الدين والدنيا معا * منهم بحسنك تأنس الانظار
وتهيج أفئدة لهم من روعة * ويفيض فكر فيهم ويثار
ويسود روحهم التصوف فالدنا * بسنا التجلي والصفار تنار
فعلى المآذن والجلال يلفها * تتردد الصلوات والأذكار
وعلى منابع ( شقحة ) ( 2 ) ورياضها * العشق والصهباء والمزمار
فاجعل أيا نوار دربك دائما * في أرضهم ان الكريم يزار
وعلى أبي الخطاب مر فإنه * هو صورة ولها الجميع اطار
يا من تغنى بالجمال وبالهوى * وكأنه بين الأنام هزار
أطلقت للقلب الجموح عنانه * فجرى وضاق بجريه المضمار
الحق والذوق السليم كلاهما * هدف له في سعيه وشعار
فأعدت لابن أبي ربيعة ذكره * وعلى خطاه حلا لك التسيار
في كل روض ناضر لك وقفة * ووراء كل مليحة مشوار
لم تدخل الشحناء قلبك مرة * أو خالطت أفكارك الأوتار
لو كان كل الناس مثلك رقة * لاستؤصلت من أرضنا الأوزار
لكنهم ظنوا الحياة تناطحا * من سخفهم وكأنهم أبقار
فإلى الذي جعل القرون سلاحه * وبها يظن بأنه مغوار
لا بد يوما من لقاء غضنفر * منه تمزق جلده الأظفار
ولرب يسر قد تليه عقدة * كأداء يسلح عندها النجار
وقال جوابا عن أبيات اتته من جماعة من أصدقائه :
أبعد الصالحات من السنين * وما طبع السجود على جبيني
وما أهرقت من ماء نمير * على عطشي ليطهر ( بنطلوني )
أبيعكم لساعات يقيني * واخسر بعد طول الجهد ديني
استعنت عليكم بالله مما * لديكم للغواية من فنون
ومن عشق لتضليل البرايا * كعشق القرد بعثرة الطحين
فكعوا عن ملاحقتي فإني * غليظ القلب ذو ذهن ثخين
ولست بفاهم منكم حديثا * عن ابن بطوطة أو افلطون
وعن اعجاز رحلة ( كاكرين ) * وأمجاد لوقعة ميسلون
وآيات على الحيطان خطت * بتفضيل اليسار على اليمين
وعن سحر المباسم والعيون * وطير صادح في كرم تين
وعن كأس من الخمر المصفى * تضوع منه عطر اليانسون
فكم من قبلكم إبليس قاسى * وحاول جهده كي يصطفيني
فعاد يحك من فشل قفاه * وهج بفعل ايماني المتين
أيحرقني المشير أبو نعيم * وأركان القيادة في العرين
وماذا في عرينكم فيرجى * وجل طعامكم ( دحروب ) تين
لئن تستهزئوا مني فإني * ( متى أضع العمامة تعرفوني )
وقد أحسنت صنعا دون شك * بركضي خلف فروج سمين
فما في المضغ للأخيار عيب * ولا في البلع من فعل مشين
( ويا اخواننا بالله ) كونوا * على ثقة وجزم من يقيني
وحاشا ان تخامركم شكوك * بأن البعض عنكم أبعدوني
وانهم أضافوني إليهم * وفي بئر الغواية دندلوني
فمن كان الرغيف لديه نجما * وبحر محيطه ( لكن العجين )
يطيب له بهذا اليوم طبعا * صدى وقع الملاعق في الصحون
فكم طربت لرنتها ضلوعي * وكم رقصت لمرآها عيوني
ويا أسفي عليك ( أبا وحيد ) * تساق بسوط شيطان لعين
وتجري لا يصدك نصح هاد * كأنك في مسيرك ( كالترين )
( أبو عدنان ) لا يعنيه أمري * ولا يعنيه ما بك من شجون
ولا تحسب بأن ( أبا نعيم ) * ستبقى منه في حصن حصين
فمن لم يخش ربا قد براه * فليس على ودادك بالأمين
تعال إلي يا ابن الخال نمضي * إلى ركن الهداية واليقين
لتنزع من فؤادك كل شك * وتمسح عنه آثار الظنون
وتشفى فيه من جوع عتيق * تعاني منه كالجرح الدفين
( فإسماعيل ) يحشو المخ وعظا * وليس بحشو بطنك بالضنين
فعيب أن تظل على ضلال * ( وقد جاوزت حد الأربعين )
وتترك للزميل أبي فؤاد * فخار الفوز في نصب الكمين
وقال جوابا عن قصيدة للسيد نور الدين بدر الدين :
صبح محل وليل كله ضجر * فالقلب في محنة والسمع والبصر
كأنما الكون لا شمس تدغده * ولا يفتق أحلاما له قمر
هامش
( 1 ) الرويس جبل أخضر مظل على النبطية .
( 2 ) شقحة واد متصل بسهل الميذنة قرب النبطية يعمر في الربيع لمباهه وخضرته .