محمّد السفاريني مدّة وافرة . ثم رحل لدمشق واشتغل على الشيخ أحمد المنيني وعادت عليه بركته ، ثم رجع وما زال منقطعا في خدمة شيخه وملازمته حتى اخترمته المنيّة .
وكان نحيف الجسم ، ومع ذلك كانت له قوّة زائدة على التهجّد وقيام الليل وتلاوة القرآن .
وله فهم رائق ، وشعر رقيق فائق . ومحاضرة لطيفة . تؤذن برتبة بالفضل منيفة .
وكانت وفاته سنة سبع وثمانين ومائة وألف . ودفن بنابلس . رحمه اللّه تعالى .
عبد اللّه المدرّس - 1159 ه
عبد اللّه المدرّس الموصلي ، شيخ الموصل بلا مدافع ولا ممانع . الشيخ الفاضل العامل .
ولد في حدود سنة ستّين وألف . واشتغل بطلب العلم حتى صار آية من آيات اللّه بالعلم والعمل . وأخذ عنه أكثر علماء الموصل ، كالمولى السيد موسى ، والسيّد يحيى المفتي ، والسيّد حمد الجوميلي ، وغيرهم ، وفضله أشهر من أن يذكر .
وكان متحاشيا عن معاشرة الحكّام ومجانبا للظلّام ، مستجاب الدعوة ، مكبّا على التدريس ، خصوصا الفقه والحديث والتفسير . لا يعتني بزخارف الحكماء .
ودخل لدار السلطنة العليّة ، ثم رجع وحجّ إلى بيت اللّه الحرام سنة سبع وأربعين ومائة وألف . وترجمه صاحب الروض وقال في حقّه :
أحد الفحول ، المعوّل عليه في الفروع والأصول ، ورع الزمان ، عماد المعارف والإذعان ، ذو الفنون الغريبة ، والآثار المطربة العجيبة ، الداخل بيوت البلاغة من أبوابها ، والواصل معالم الفصاحة من رحابها . تسلّق إلى طرق المعارف وسلكها ، والتقط درر فرائد المعالي وسلكها .
وعرف طرق الكمال فدخلها وجاز . وساغت له حقيقة الفضل والمجاز . انتهى .
وترجمه محمّد أمين الموصلي أيضا وقال :
أحد أركان العلوم ، ووحيد الوقت بطريق المنطوق والمفهوم . عالم هذه الأماكن ، ونحرير هذه المساكن . قدوة أقرانه ، علّامة زمانه . قامع الجهل بفضله ، قاشع الإشكال بفكره وفهمه . طرّز حلل العلماء بفضائله وعلمه ، وفتق نور الأدب بنسمات شمائله . حرست سماء مجده إذ رجمت شياطين المعضلات بشرر أفكاره . وانجلت ظلمات البلادة بما أفاض على المستفيد من أنواره .
وتضعضعت أركان الجهالة بما ألقى عليها من مناكب أنظاره .
ومن لطيف آثاره هذه المنظومة في الأشكال الأربعة وهي قوله :
حمدا لربّ عالم جليل * علّمنا طريقة التعليل
ثم صلاة وسلاما كمّلا * على الذي فوق السماوات علا
وآله وصحبه ذوي الهدى * مؤيدي الحقّ ومهلكي الردى