ففازت بأقصى ما ارتجاه مؤمّل * وأنضر ما فيه النواظر تسرح
وقرّت مناء حيث سرّت سرائر * حباها أمانيها الزمان المفرّح
حست كأس بشراها دهاقا وعلّلت * غليل فؤاد واري الوجد يقدح
فقد طاب للآمال من صفقاتها * غنائم أمن للبريّة تفتح
ومدّ ظلال العدل صافي رواقه * على جلّق والدهر يسخو ويسمح
فيا طرف طرف اللحظ لا زلت راتعا * ورهبك في أهنى المواهب أفسح
بظلّ سليمان الذي ليس ينبغي * لسهم سواه في البرايا ويصلح
وقوله من قصيدة :
سمح الدهر باللقا والتداني * وغدا السعد من حظوظي داني
ولقد حزت من بلوغ مرامي * ولذيذ الهنا ونيل الأماني
ما به القلب مستزيد سرورا * ويزيل الضنا عن الجثمان
إن تغنّت ورقا على غصن بان * هيّمتني وحرّكت أشجاني
تشتكي حرقة الجوى والتنائي * فكأنّ الذي شجاها شجاني
قوله : فكأن الذي شجاها شجاني ، أقول : قد رأيت في الحمام والورق وما ينضاف إلى ذلك للمتأخرين والمتقدّمين مقاطيع وما ينضاف إلى المقاطيع من نوابغ أدبيات شيئا كثيرا . فمن ذلك قول صاحب « مصارع العشّاق » « 1 » :
ربّ ورقاء في الدياجي تنادي * إلفها في غصونها المياده
فتثير الهوى بلحن عجيب * يشهد السمع أنّها عوّاده
كلّما رجعت ترجعت حزنا * فكأنّا في وجدنا نتباده
ومن ذلك قول ابن قرطان المغربي :
ذكّرتني الورقاء أيّام أنس * سالفات فبتّ أجري الدموعا
ووصلت السهاد شوقا لحبّي * وغراما وقد هجرت الهجوعا
كيف يخلو قلبي من الذكر يوما * وعلى حبّهم حنيت الضلوعا
كلّما أولع العذول بعتبي * في هواهم يزداد قلبي ولوعا
ومن ذلك ما أنشده عبد اللّه بن محمد بن حسّاس بقوله :
لقد هاجني للشوق نوح حمامة * مطوّقة من مترفات الحمائم
هامش
( 1 ) انظر كشف الظنون 1703 .