بأمة جعلها اللّه خير الأمم ، وبسط لهم ببركته موائد الفضل والكرم . واصطفاهم بمصطفاه ، واجتباهم بمجتباه . وأحلّ لهم من النساء ما لم يحلّ لغيره ، وأباح لهم أربعا من واسع خيره .
وجعلتهنّ زهرة الحياة الدنيا وثمرتها ، وقوام قيامها وقيمتها . يطاول إلى نكاحهنّ همم الرجال العوالي ، ويتضاءل دونهنّ من المهور الغوالي . لأنهنّ نزهة الأنفس والأرواح ، ورياض الأجساد والأشباح ، أصلا لنا من أصل لم يكن من نكاح أصلا . كرّمه اللّه ما أكثره أهلا ونسلا . سنة اللّه التي قد خلت ، وفي القلوب قد حلت . فهو من أقوى الأسباب ، في ارتفاع الأحساب ، واتصال الأنساب ، وحصول الولد الذي هو قرّة عين ، وعمل صالح لوالده وأثر بعد عين . وامتنّ اللّه تعالى بهنّ على البريّة ، فقال اللّه تعالى :
وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً
« 1 » . وهي تجارة رابحة ، قال عليه السلام : « الدنيا متاع ، وخير متاعها المرأة الصالحة » « 2 » .
وقال : من والى اللّه ، عليه صلات الصلاة : « حبّب إليّ من دنياكم : الطيب والنساء .
وجعلت قرّة عيني في الصلاة » « 3 » . فهو من سنة المصطفى أعلانا ، فمن رغب عنها فليس منه ، وكفى بذلك خسرانا . وهنّ أمانات الرجال ، مستودعات عندهم إلى ما شاء اللّه من الآجال .
يجب حفظهنّ خوفا عليهن من الضياع ، ومراعاة لما لهنّ وعليهنّ من الانتفاع والاستمتاع . إذ كنّ ريحانات لا قهرمانات . فإذا تهن عليك وملن بأواصر الإدلال ، وعرفن فتونك ، وأخذن ينتفن عثنونك . فلا يضيق صدرك ، فتدلّه ويختلّ أمرك . فردّ ثورة عجبهنّ بخلق كريم واسع ، وخيّم عن كل خلق وخيم شاسع . وغطّ عيب شيبك بسيب طولك وإحسانك . لا بمعرّة قصر يدك وطول لسانك . فتفكر في ذلك فأنت دليل محيرك ، ورسول مسيرك .
وإن أبدين إليك نفارا ، وقذعنك جهارا . أو رأينك بصورة منكوسة ، ولحية بالغمّ مغموسة . فاعذرهنّ في ذلك ، واقطع من وصالهن أطماع آمالك . فإن فيك من الذبول ، وتكرّج الجلد والنحول . وابيضاض المفارق والحواجب ، ما ينفّر رازنات الكواعب .
رأين الغواني الشّيب لاح بعارضي * فأعرضن عني بالخدود النواضر
وكنّ إذا أبصرنني أو سمعن بي * بدرن فرفّعن الكرى بالمحاجر
فأنخ لهن كاهل الذل ، ومدّ عنان عنقك للعقد والحل . وصعّد أنفاسك في إكسير شمس الطاعة ، مغترفا من بحر القناعة ، ويا لها من صناعة . وذلك أعذب من الماء على الظمأ ، وألطف من سقوط الأنداء على الروضة الخضراء . فحينئذ تعلو عليهن كالقمر ، وهو أمر اشتهر .
هامش
( 1 ) الآية 38 من سورة الرعد .
( 2 ) أخرجه مسلم والنّسائي وآخرون . جامع الأصول 11 / 428 .
( 3 ) أخرجه النسائي وأحمد وآخرون . المصدر السابق 4 / 766 .