منه الأفهام . فطورا تؤرّبه الهمة فلا يقتدر ، وتارة تقعده عما يهمّ به ويتبدر . فهو في ذلك كثير النجوى ، قليل الجدوى . إلا أنه في التخيّلات الشعرية باقعة ، وملحه وسط القلوب واقعة .
فكأنما اقتطفها من زهر ، على ضفة نهر ، أو اختلسها من أنفاس الصبا ، إذا سرت إلى سمع الربا .
فمن ذلك قوله من قصيدة مطلعها :
أمل يرنّح غصنه الوعد * وسطور شوق خطّها البعد
وتذكّر ثمراته لهب * يذكيه مني الحبّ والوجد
ونواظر سحّت بأدمعها * قد صاد طائر غمضها الصدّ
أفدي الذي الأوهام تجرحه * ترفا ويحسد خدّه الورد
ريم ملاعبه جوانحنا * وقلوبنا لا البان والرند
يرنو بأجفان مهنّدها * ماضي الشبا قلبي له غمد
أغصانه بالسحر فاترة * مكحولة ما راعها سهد
تخطو فهل ريحانة لعبت * بقوامها النسمات أم قدّ
حلو الحديث منعّم بهج * تحمي رياض جماله الأسد
أتراه صاغ حديثه دررا * في الجيد أم هذا هو العقد
وأظنّه غصب الكواكب من * فلك الذي يسمو به المجد
مولى ملوك العزّ تخدمه * والدهر في أبوابه عبد
منها :
قد طوّق الأعناق نائله * فلراحتيه الشكر والحمد
لو مسّ أعوادا ذوت حملت * أو مسّ صلدا أورق الصلد
من مثله أو من يفاخره * وله رفيق المصطفى جدّ
وإليك يا روض الكمال أتت * ورقاء نظم بالثنا تشدو
سكرت بخمرتها العقول وقد * سجدت لكوكب حسنها القصد
تهدي المعالي عقد تهنية * بك يا وحيدا ماله ندّ
وقوله ممتدحا بها الأستاذ الأعظم الشيخ زين العابدين البكري المصري حين كان بمصر ، صحبة الأستاذ العارف الشيخ عبد الغني النابلسي في رحلته الحجازية سنة خمس ومائة وألف :
حثّ كأس الصّبوح قبل الصبّاح * واسقنيها مع الوجوه الصّباح
بنت كرم لو برزت جنح ليل * لغنينا بها عن المصباح