وتوطّنه بها منتسبا إليهم . وذلك أن المولى محمد بن إبراهيم العمادي المفتي تغيّر خاطره عليه ، وأوشوا له بعض الناس به ، فتوافق مع القاضي بدمشق إذ ذاك أن يرتّب على البقاعي دعوة قبيحة توجب تعزيره ، لأجل أن يعزّره . وأحضر عدة شهود ، فلما مثل بين يدي القاضي بالمحكمة أثبتوا عليه ذلك الأمر ، وشهدوا بصحته الشهود الذين من طرف العمادي . وأمر القاضي بتعزيره وضربه ، وأهين إهانة بليغة ، واشتهرت بدمشق في ذلك الوقت ، وطنّت حصاتها . فبعد ذلك لم يستقم بدمشق ، وسافر إلى دار الخلافة ، وانتظم في سلك مواليها واشتهر . والذين شهدوا عليه لم تطل مدّتهم ، وماتوا جميعا .
وكان دخل إليها في حين سفر المورة « 1 » . وتوجه مع العسكر عسكريا ، ثم إنه في ختان أولاد السلطان أحمد عمل تاريخا للختان . ودخل طريق الموالي . وأخذ عنه ثمّة جماعة من علماء ورؤساء الروم ، منهم : شيخ الإسلام الولي محمد أمين حياتي زادة ، ورئيس الكتاب المولى مصطفى الشهير بالطاوقجي . وكان يعتقده آغا دار السعادة بشير آغا .
وتقلب بالمدارس ، وأقرأ دروسا عامة ، إلى أن وصل إلى قضاء ديار بكر . ولم يتولّ غيره من المناصب . وجمع من الأموال شيئا كثيرا ، ولم يتزوج .
وترجمه الشيخ سعيد السمان الدمشقي في كتابه ، وقال في وصفه :
هذا ممن ساد بنفسه ، وشمخ بعرنينه على أبناء جنسه . في البقاع العزيز ترعرع ، وفي دمشق برع وتورع . ثم قاد بناصيته العجب ، حتى ظنّ أنه يخرق الحجب . فدعا من أجل ذا عصيبه .
وكانت آراؤه غير مصيبة . فانسلّ إلى الروم وإليها سعى ، واستند إلى العراقة ولها ادّعى . فصادفته العناية ، وغض عن تلك الجناية . فقابلته بوجه الإقبال ، وقمّصته من الشرف أحسن سربال .
وكان حصّل في إبان عمره من العلم ما حصّل ، فببركته توصّل إلى ما توصّل . إلا أنه لم يزل من البيضاء والصفراء صفر اليد والجيب . فكأنه ينفق من الغيب . شاهدته في الروم وهو من الادعاء في مكانة وأي مكانة . ينتسب لبيت أسّست أصوله قواعده وأركانه . ودعواه أوهى من بيت العنكبوت ، واهية الأدلّة مقطوعة الثبوت . إذا تكلّم بالتركيّة أضحك ، وتحقق سامعه ماهيته وما شكّك . والثمانون تعزّيه بعمره ، وهو ملتهي عن الحسناء بزيده وعمره . غير أن الزمان بعدها له تنفّس ، وتبسّم بعد أن قطب وعبس .
وجعله بعد رتب التدريس من الموالي ، وجدّد ما رثّ من ثياب حظّه البوالي . وبالجملة فأدبه بيت القصيد ، باسط به ذراعيه بالوصيد . وله شعر عجيبة أساليبه ، يعجبني منه قوافيه
هامش
( 1 ) في سنة 1126 ه تمكّن الصدر الأعظم الداماد علي باشا من استعادة بلاد المورة بأجمعها من جمهورية البندقية ، وهذا ما عرف بسفر ( أي حرب ) المورة .