فنعمان خدّيه لقلبي مالك * ولا تعجبوا من ردفه فهو حنبلي
وأحسن منه قول الآخر :
قلت ، وقد لجّ في معاتبتي * وظنّ أنّ الملال من قبلي :
خدّك ذا الأشعريّ حنّفني * وكان من أحمد المذاهب لي
حسنك ما زال شافعي أبدا * يا مالكي ، كيف صرت معتزلي ؟
ولما أراد الوالد الحج سنة ثمانين ومائة وألف كتب للأبواب السلطانية ذلك ، وطلب الإذن ، فرسم له بالإذن . وأن يكتب على مسائل الفتوى ولده ، أخي المترجم ، فعزم على الحج ، وتعاطى لوازم الطريق .
ثم إن الأخ في غضون تلك الأيام مرض ، وازداد به المرض ، حتى مات صباح يوم الأربعاء رابع شوال من السنة المذكورة . ودفن داخل دارنا في مدرسة الجد النقشبندية البرانية ، في محلة سوق صاروجا ، واجتمع للصلاة عليه وعلى دفنه جميع علماء وكبراء وأمراء دمشق . ودفنه الوالد بيده ، وحزن لفقده كثيرا . لكنه لم يبد جزعا ، وصبر واحتسب . وأقام عمّي المولى الأجلّ حسين المرادي مكانه . وحجّ وأنا معه .
وحزن الناس لفقد الأخ ، وكثر عليه يوم موته العويل والبكاء . وكان من نجباء عصره وأفراد مصره . ورثاه جماعة من الأدباء . أنشدني من لفظه لنفسه صاحبنا الأديب شرف الدين مصطفى بن عبد الرحيم بن محمد الموجي الشافعي الدمشقي هذه القصيدة :
أجمر الغضا بين الجوانح مضرم * أم الحزن في الأحشاء جاش له الدم
أم الدهر أودت نائبات صروفه * فقلب البرايا بالأسى منه مفعم
ويؤلمني الفقد المشت فأنثني * وأدمع عيني كالغمائم سجّم
ويحسب مسرور الفؤاد من انطوى * على حرق والقلب منه مقسّم
ألا في سبيل اللّه نفس زكية * وراضية مرضيّة ، وهي ترحم
هو الدرة العلياء قدرا وقيمة * وجوهرة الفضل التي لا تقوّم
سأعتب هذا الدهر لو كان يرعوي * لعتبي أو يصغي لقول ويفهم
لماذا دهاه بالمنية بغتة * وكان التروّي واجبا والتلزّم
وما هي إلا فلتة منه أفلتت * وأحسبه من بعد ذلك يندم
قضى اللّه أن يقضي لشرخ شبابه * فتى وفتى يبقى إلى حين يهرم