القعدة سنة تسع بعد الألف ، ودفن في تربة القصّارين ، في جانب قبر عاتكة . واللّه سبحانه أعلم .
السيّد أحمد التونسي - 1170 ه
السيد أحمد بن عبد اللطيف التونسي نزيل دمشق ، المغربي العالم المحقق المتفوّق الماهر البارع الفاضل . ترجمه الشيخ سعيد بن السمان في كتابه وقال في وصفه :
هذا الأديب وإن كانت تونس مسته القوابل فيها ، إلا أن الشام حبته بملء فيها . فربض بها ربضة الليث . وقال لوطنه مناديا إلى حيث ، ولاذ ببعض الصدور ، وجعل لنديه الورود والصدور . فأنزله منه منزلة ابن اللبانة من المعتمد ، وأصبح في لجّه المستفيض هو المغترف المستمد . فأقبل عليه الدهر بوجه أغر ، وما أقدمه على هجر ولا به غر . وأقطعه من الحظوة نصيبا ، وأورثه الرعاية فرضا وتعصيبا . فاستكان وتقرّب ، وبعد في مرامه وما ربّ « 1 » . فتهدّلت عليه أغصان الحنو ، وعطفت عليه الأفئدة بالدنو . وتأبط سفرا وكراسة ، وأكبّ على قراءة ودراسة . فارتشف من ذلك دون الوشل . ولم بالعنا منه حدّ الفشل . وادّعى الفضل التام ، وخاض في ذلك القتام . وسوّلت له نفسه الأمّارة ، ما خفرت به الآمال ذمته وذماره . وشمخ بعرنين الأنفة ، واستنكف عمّن أحكّه كنفه . فلم تقبل له حوكة ، وقال في القفول البركة .
فندّ ندو البعير ، ولم يدر أهو من العير أم من النفير . فحلّ القدس والديار المصرية ، ورصد من الدهر العطفة الحرية . فرقّ له وحنّ ، وسقاه من الأوبة الغمام مرجحنّ « 2 » . فعاد لما سلف ، وعانق ذلك العلف . فعافته الطباع ، وقذفته في مهاوي التعريض باليد والباع . ومكر به حاله واستدرجه ، ووضعه من الأعين درجة فدرجة . ولم يزل أطواره تتقلّب ، وطوّيته عليه تتغلّب ، حتى عصفت به مهابّ هواه ، وأكبه على مخطمه عقبى دعواه . وقام به الغرام واستأثر ، ورشقته بما أودى بفؤاده وأثّر . وسلّم قلبه لمن عذّبه ، واستلذّ تهتكه فيه واستعذبه . حتى بعدت عليه من التنصّل الشّقّة ، واستقلّت به المضرّة والمشقّة . وانقلب وهو مليم ، عرضة للتقريع الأليم . وما انفكّ يريه من التجنّي ما يريه ، ويطرق سمعه بكل كريه . حتى تخطّفته أيدي الشتات ، بعد أن طلّق الشام تطليق البتات . فما استقرّ حتى نودي : إلى أين المفرّ ؟
وطواه رمسه ، كما طوى أمسه .
وبالجملة فقد كان يستأنس بمذاكرته ، ويستروح بمحاضرته . وله شعر زهري الأرج ، ما عليه في سبكه حرج . قد أثبتّ منه طرفا ، وتركت ما يعدّ سرفا . انتهى .
هامش
( 1 ) ربّ : أي جمع .
( 2 ) مرجحنّ على زنة مطمئن : شيء ثقيل .