ولقد ذكره الشيخ أحمد الكستي الحلبي الأمجد ، في رسالة شرح بها : « تطهّر بماء الغيب إن كنت ذا سرّ » . وقال فيها ، عند قول الأكبري : « وقدّم إماما كنت أنت إمامه » : ورد عليّ مجذوب كردي ، فسألته عن معنى الإمامة . فتكلم في معناها بكلام لم أره في كتب خاتم الولاية المحمدية .
فأخبرني الأخ الشيخ مصطفى بن عمرو أنّ الشيخ أحمد أخبره قال : كان عندي الشيخ أحمد المجذوب ، وقال لي : ما عاينت من مرّ عليّ ؟ قال : فسألته : من مرّ ؟ قال : أكثر من مائتي رجل من رجال الغيب . قال الشيخ أحمد : وصدّقته ، فإني أدركت أشباحا مرّت .
وحكى لي عنه أيضا قال : بينما الشيخ أحمد في البيت ، والباب مغلق عليه كعادته ، وقد طبخ له مملوكه الطباخ إوزتين . وإذا بالشيخ أحمد المجذوب داخل عليه ، وطلب ما يأكله ، فأتى له بإوزة . فقال : أين الثانية ؟ فقال له : كل هذه ، فإذا أتممتها فآتي لك بالأخرى .
فأخرج من جيبه موس وقال : أشقّ بطن هذه أو بطنك ؟ فقال له : وأنا عندي سيف ، وأشار به إلى سيف هناك .
وكان مملوكه حسن ذهب إلى السوق ليشتري له حاجة . فرآه مجذوب فقال له : إن شيخك دخل عليه رجل من رجال الشام يمتحنه . فخذ لي ما آكل ، وأنا أحميه منه . فاشترى له ذلك ، ورجع . فرأى الشيخ أحمد يتحاور مع سيده .
وهممت مرة على مشاورته في الذهاب إلى حلب . فقلت له مرادي أشاورك على أمر فشره عليّ . والمستشار لا يكون خوّانا . فقال : قف حتى أشاورك أنا أولا . فقلت : قل . فقال :
مرادي أذهب إلى حلب ، فكيف تقول ؟ فعلمت أنه يحكي على لساني . فقلت له : أنا أذهب بالنيابة عنك ، فأوص عليّ هناك جماعتك .
وجاءني قبل أن أعرفه على الحجّ ، وقال لي : يا مصطفى ، كيف تقول ؟ مرادهم يرسلوني الآن غفيرا في الحج . ففهمت إشارته ، وقلت له : أنا أذهب نائبا عنك . ثم جاء وأنشدني :
لو قيّدوا المشتاق بقيدين ما هدا . . .
فتحرك مني العزم ، وسهّل اللّه تعالى بالحجّ بعد ذلك العام .
وكنت ليلة الاثنين أعمل ذكرا في المدرسة ، وأناديه أحيانا بباطني . فمتى ناديته جاء ، وإذا غفلت عن مناداته لم يأت فعاتبته مرة ، فقال : إنّك لم تناد عليّ . فقلت له : أنت كل ليلة تحتاج من يناديك . فقال : كل إنسان يعطى حقّه .
وخرجت إلى خلوته مرة ، فرأيته يكتب في كتاب ألّفه . فقلت له : ما هذا الكتاب ؟ فقال :
تراجم أهل الوقت . فقلت له : ما الذي ترجمتني فيه ؟ فقال : قلت : مصطفى من الأمراء . فقلت هذا فقط ؟ فقال : يكفي .
وأخبرني الأخ الشيخ مصطفى قال : أتيت مرة إليك فلم ألقك . وكان واقفا عند الإيوان .