يتوضأ في صحن داره فدخل عليه إنسان فسأله شيئا ، فلم يحضره شيء ، فقال له :
اصبر حتى أفرغ فلما فرغ قال : خذ هذه القمقمة « 1 » واخرج . فلمّا هرج وعلم أنه قد بعد ، صاح وقال : دخل إنسان وأخذ القمقمة ، فمشوا خلفه ، فلم يدركوه . وإنّما فعل ذلك لأنّهم كانوا يلومونه على البذل .
وروي « 2 » عن امرأة من العابدات أنّها قالت لحبّان « 3 » بن هلال وهو في جماعة أصحابه : ما السخاء عندكم في الدنيا ؟ قال : البذل والإيثار . قالت : فما السخاء في الدين ؟ قال : أن تعبد الله سبحانه سخيّة بذلك نفسك غير مكرهة .
قالت : أتريدون على ذلك أجرا ؟ قالوا نعم ، لأن الله تعالى وعد الحسنة بعشر أمثالها . قالت : فإذ أعطيتم واحدة وأخذتم عشرا فبأيّ شيء سخيتم ! ؟ إنّما السّخاء أن تعبدوا الله متنعّمين متلذّذين بطاعته غير كارهين لا تريدون بذلك أجرا ، أما تستحيون أن يطّلع الله على قلوبكم ، فيعلم منها أنها تريد شيئا بشيء ! ؟
قال أحمد بن أبي دؤاد « 4 » : من نال دنيا فلم يرفع وليّا ولا وضع عدوّا فليس بكريم . وقال « 5 » ميمون بن مهران « 6 » : من طلب مرضاة الرّجال بلا شيء فليصحب أهل القبور . وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما « 7 » : لا يتمّ المعروف إلا بثلاثة أشياء : بتعجيله وتصغيره وستره ، فإذا عمله فقد هنأه وإذا صغّره فقد عظّمه وإذا ستره
هامش
( 1 ) القمقم والقمقمة ضرب من الأواني يسخّن فيه الماء من نحاس وغيره ( اللسان قمم ) .
( 2 ) من سراج الملوك 75 بتصرف إلى « شيئا بشيء »
( 3 ) أب ج ش ه و : لحيان ، وهو غلط التصحيح من سراج الملوك 75 .
وحبّان بن هلال البصري محدث حافظ ثقة حجة وحديثه في الكتب الستة ( - 216 ه ) تاريخ الطبري 4 / 434 ، 5 / 53 وتذكرة الحفاظ 1 / 364 - 365 .
( 4 ) سبق التعريف به في الصفحة 425 الحاشية 1 .
( 5 ) من سراج الملوك 73 إلى آخر قول ابن عباس .
( 6 ) ميمون بن مهران الرّقّي عالم أهل الجزيرة روى عن عائشة وأبي هريرة وابن عباس ، استعمله عمر بن عبد العزيز على خراج الجزيرة وقضائها ، كان ثقة في الحديث كثير العبادة ( - 117 ه ) تذكرة الحفاظ 1 / 98 - 99 والأعلام 7 / 342
( 7 ) القول في بهجة المجالس 1 / 303 ونسب في الوفيات 1 / 471 لجعفر بن محمد الصادق .