وكان الإمام محمد بن إدريس الشافعيّ رحمه الله موصوفا بالجود يروى « 1 » أنّه لما قدم من صنعاء إلى مكة كان معه عشرة آلاف دينار ، فقيل له : ألا تشتري بها ضيعة ؟ فضرب خيمته خارج مكة وصبّ الدنانير ، فكلّ من دخل عليه أعطاه منها قبضة ، فلمّا جاء وقت الظهر نفض الثوب وقام وليس بيده منها شيء .
وكانت البرامكة ممّن عرف بالجود واشتهر به ، فكانوا في ذلك لغيرهم أسوة ولمن بعدهم فيه قدوة حتى قيل في حقهم « 2 » : ( تام الكامل )
إنّ البرامكة الكرام تعلّموا * فعل الجميل وعلّموه النّاسا
كانوا إذا غرسوا سقوا وإذا بنوا * لا يهدمون لما بنوه أساسا
وإذا هم صنعوا الصّنائع في الورى * جعلوا لها طول البقاء لباسا
( وأخبارهم « 3 » في ذلك شهيرة ) ، مدح بعضهم بعض الشّعراء بقوله « 4 » : ( الطويل )
سألت النّدى : هل أنت حرّ فقال : لا * ولكنّني عبد ليحيى بن خالد
فقلت : شراء ؟ قال لا ، بل وراثة * توارثني من والد بعد والد
فأمر أن يعطى بكلّ حرف من حروف البيتين ألف ( درهم ) « 3 » فعدّت حروفها فوجدت سبعين فانصرف بسبعين ألف درهم ، وقد فعل ذلك غير واحد من خلفاء بني العباس كالرشيد والمأمون مع شعرائهم كمروان بن أبي حفصة « 5 » ومحمد بن وهيب الحميري « 6 » ، كما مرّ الإلمام بذلك في ترجمته .
هامش
( 1 ) من سراج الملوك 78 بتصرف إلى آخر الخبر ، وهو في المستجاد 179 والرسالة القشيرية 114 وإحياء العلوم 3 / 118
( 2 ) الأبيات أول مقطعة في خمسة أبيات منسوبة للعطوي وهي في شعره 60 ، ونسبت الأبيات الثلاثة لأبي نواس وهي في ديوانه 582 ونسبت في الوفيات 5 / 95 لهما معا .
( 3 ) ما بين القوسين ساقط من ج .
( 4 ) البيتان في مدح يحيى بن خالد البرمكي وهما في العقد الفريد 1 / 228 والمستطرف 1 / 162 غير منسوبين .
( 5 ) سبق التعريف به في الصفحة 188 الحاشية 1 .
( 6 ) سبقت ترجمته برقم 33 ، الصفحة 224 - 233 .