منصرفه من غزوة حنين « 1 » ركب فاتّبعته حفاة الأعراب يقولون : يا رسول الله اقسم علينا فيئنا الإبل والغنم وكانت شيئا كثيرا لا يدرى ما عدّته ، وألحّوا عليه صلّى الله عليه وسلم . ( حتى ) « 2 » ألجئوه إلى شجرة فاختطفت رداءه « 3 » ، فقال صلّى الله عليه وسلم « 4 » : ردّوا عليّ ردائي أيّها الناس فوالله لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعما « 5 » لقسمته بينكم ، ثم ما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذوبا . ثم عمد صلّى الله عليه وسلم إلى بعير فأخذ وبرة من سنامه فرفعها ثم قال : أيّها الناس ، والله ما لي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلّا الخمس والخمس مردود عليكم ، الحديث بطوله .
فتأمّل هذا الكلام . وما اشتمل عليه من كرمه وحلمه عليه الصلاة والسلام .
وأخباره صلّى الله عليه وسلم في الجود والإيثار ممّا لا تحتمله لكثرته المجلّدات والأسفار ، وإنّما افتتحنا أخبار الكرام بما ذكرناه منها تبرّكا بآثاره وتيمّنا بأخباره وتطفّلا على كريم بابه ، وتعلّقا بعظيم جنابه ، وإشعارا بأنه صلّى الله عليه وسلم سيّد الأكرمين وأسوتهم وإمامهم وقدوتهم ، مع الجزم بأن ليس أحد منهم يقاربه في كرمه صلّى الله عليه وسلم أو يضاهيه ، فضلا عن كونه يساويه :
ليس التّكحّل في العينين كالكحل « 6 » : ( تام البسيط )
هذا وقد ذكر الله سبحانه في كتابه العزيز أصحاب نبيّه صلّى الله عليه وسلم
هامش
( 1 ) سبق التعريف بها في الصفحة 691 الحاشية 5 .
( 2 ) ما بين القوسين ساقط من ج .
( 3 ) تاريخ الطبري 3 / 89 : فاختطفت الشجرة عنه رداءه .
( 4 ) تاريخ الطبري 3 / 89 : والبخلاء للبغدادي 30 .
( 5 ) النّعم واحد الأنعام وهي المال الراعية : قال ابن سيده : النّعم الإبل والشّاء يذكّر ويؤنث ( اللسان : نعم ) .
( 6 ) عجز بيت للمتنبي من قصيدة في المدح مطلعهاأجاب دمعي وما الداعي سوى طلل * دعا فلبّاه قبل الرّكب والإبلوهي في ديوانه 3 / 74 - 88 . وصدر البيت هو :لأنّ حلمك حلم لا تكلّفه * . . . . . . . . . . . . . . .وعجز البيت مثل من الأمثال المشهورة انظر الغيث المسجم 2 / 401 ( ط . العلمية ) .