الرّيح للدّولة من حيث أنّها في تمشّي أمرها ونفاذه مشبهة بها في هبوبها ونفاذها ، أو « 1 » المراد بالرّيح حقيقتها ، فإنّ النّصرة لا تكون إلّا بريح يبعثها اللّه كما روي عن قتادة ، قال : لم يكن نصر قطّ إلّا بريح يبعثها الله تضرب وجوه العدوّ . ويؤيّده الحديث « 2 » : " نصرت بالصّبا وأهلكت عاد بالدّبور " . فأوّل الظّفر الاجتماع وأوّل الخذلان الافتراق ، وعماد الجماعة السّمع والطّاعة . وإنّما أتى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه يوم صفين من قبل الاختلاف عليه ، فقد كان ظهر أهل العراق على أهل الشام ، وتضعضعت صفوف معاوية ، فأحسّ بالشّرّ وأنه مغلوب ، فقال لعمرو ابن العاص : اذهب فخذ لنا الأمان من عليّ ، فأدار عمرو الحيلة وأمرهم أن يرفعوا المصاحف في أطراف الرّماح وينادوا : ندعوكم إلى كتاب الله تعالى ، فلمّا رأى ذلك أصحاب عليّ رضي الله عنه كفّوا عن الحرب ، فقال لهم عليّ كرّم الله وجهه :
أي قوم ، هذه مكيدة منهم ، فلم يبق في القوم دفاع فعصوه وتركوا القتال ، فكان ما كان من أمر الحكمين ممّا يأتي الإلمام به عند الكلام على أول ملوك بني أمية إن شاء الله تعالى « 3 » .
وقد جمع الله « 4 » [ سبحانه ] لنا في هذه الآية الكريمة آداب الحرب إذ قال عز سلطانه « 5 » :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ " .
وأوضح « 6 » لنا علّة النّصر في آية أخرى من كتابه ، فقال عزّ من قائل « 7 »
هامش
( 1 ) سقط الف ( أو ) من ج .
( 2 ) فتح الباري 2 / 520 وصحيح مسلم 3 / 27 .
( 3 ) انظر الباب الثامن من الكتاب .
( 4 ) زيادة في ج .
( 5 ) سورة الأنفال 8 / 45 - 46 .
( 6 ) من سراج الملوك 143 - 144 إلى قوله : " فكانت مقتلة أحد "
( 7 ) سورة محمد 47 / 7 .