ثم قصد إلى رجال يعرفهم ، فاستقبله رجل من رجال الثغور على فرس قد نشزت أوراكها هزالا وهو يحمل قربة ماء بين يديه على فرسه ، والرجل في نفسه وفي حليته غير متصنّع ، فقال له ابن المصحفي : ألا ترى ما يصنع هذا العلج منذ اليوم ؟
قال : قد رأيته ، فما ذا تريد فيه ؟ قال : أريد رأسه الآن ، قال : نعم ، فحمل القربة إلى رحله ولبس لأمة حربه وبرز إليه ، فتجاولا ساعة ، فلم ير الناس إلّا المسلم خارجا إليهم يركض ولا يدرون ما هنالك ، وإذا الرجل يحمل رأس العلج فألقى الرأس بين يدي المنصور ، فقال له ابن المصحفي : عن هؤلاء الرّجال خبّرتك ، إنّه ليس في عسكرك منهم ألف ولا خمس مائة ولا خمسون ولا عشرون ولا عشرة ، فردّ ابن المصحفي إلى منزلته وأكرمه وأحسن إليه .
وحدث أيضا « 1 » أنه كان بسرقسطة « 2 » ( فارس ) يقال له ابن فتحون ، قال « 3 » : وكان يناسبني من جهة أمّي فيقع خال والدتي وكان أشجع العرب والعجم قال : وكان المستعين « 4 » أبو المقتدر بالله « 5 » يرى له ذلك ويعظّمه وكان يجري له في كلّ عطية خمس مائة دينار ، وكانت النصرانية بأسرها قد عرفت مكانه وهابت لقاءه ، حتى كان الروميّ إذا سقى فرسه فلم يشرب ، يقول له : اشرب أو رأيت ابن فتحون في الماء ؟ فحسده نظراؤه على كثرة العطاء ومنزلته من السلطان ، وأوغروا به صدر المستعين ، فمنعه بعض ما كان يعطيه من العطاء ، ثم إنّ المستعين أنشأ غزوة إلى بلاد الروم ، فتواقف المسلمون والمشركون صفوفا ثم برز علج إلى وسط الميدان ينادي : هل من مبارز ؟ فخرج إليه فارس من المسلمين ، فتجاولا ساعة ، ثم
هامش
( 1 ) سراج الملوك 146 بتصرف والخبر في المستطرف 1 / 219 .
( 2 ) ما بين القوسين ساقط من ج .
( 3 ) المتكلم هو أبو بكر الطرطوشي صاحب سراج الملوك .
( 4 ) المستعين هو سليمان بن أحمد بن هود الجذامي أحد ملوك الطوائف من الدولة الهودية كان ملكا على سرقسطة ( - 438 ه ) البيان المغرب 3 / 91 - 95 ، 220 والمغرب في حلى المغرب 2 / 436 .
( 5 ) المقتدر هو أحمد بن سليمان عميد بني هود ورئيسهم اشتهر بغزواته وهو صاحب مملكة دانية ( - 475 ه ) البيان المغرب 3 / 224 . والمغرب في حلى المغرب 2 / 436 - 437 .