قتله الروميّ ، فصاح المشركون سرورا ، ثم خرج الروميّ يكر على فرسه ، ويقول :
اثنان بواحد ، فخرج إليه فارس من المسلمين فتجاولا ساعة ، فقتله الروميّ ، فصاح المشركون سرورا ، وجعل ينادي : ثلاثة بواحد ، فلم يستجرئ « 1 » أحد من المسلمين أن يخرج إليه ، وبقي الناس في حيرة ، فقيل للمستعين : مالها إلّا أبو الوليد ابن فتحون ، فدعاه واستلطفه وقال له : أما ترى ما يصنع هذا العلج ؟ قال : هو بعيني ، قال : فما الحيلة فيه ؟ فقال ابن فتحون : فما ذا تريد ؟ قال : تكفي المسلمين شرّه . قال : الساعة يكون ذلك إن شاء الله ، فلبس غلالة كتان ، واستوى على سرجه بلا سلاح ، وأخذ بيده سوطا طويل الطرف ، وفي طرفه عقد معقودة ، ثم برز إليه فعجب منه النّصارى ، وحمل كلّ واحد منهما على صاحبه ، فلم تخط « 2 » طعنة النصراني سرج ابن فتحون ، وإذا ابن فتحون متعلّق برقبة الفرس أو نزل بالأرض لا شيء منه في السرج ، ثم ظهر على سرجه وحمل عليه وضربه بالسوط على عنقه وأخذه بيده من السّرج فاقتلعه من سرجه وجاء به يجرّه فألقاه بين يدي المستعين ، فعلم المستعين أنّه كان أخطأ في صنعه معه ، فأكرمه وردّه إلى أحسن أحواله .
واعلم « 3 » أنّ من أعظم موجبات الظّفر عدم الاختلاف على الأمراء ، فلا ظفر مع اختلاف ولا جماعة لمن اختلف عليه . قال الله تعالى « 4 »
" وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ، وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ "
أي لا تنازعوا باختلاف الآراء ، والاختلاف على الأمراء فتفشلوا وتضعفوا وتذهب ريحكم أي دولتكم ، استعيرت
هامش
( 1 ) أب ج ش ه و : يستجز ، وهو غلط .
( 2 ) مخفف ( فلم تخطئ ) فلم تخط .
( 3 ) من سراج الملوك 146 إلى قوله : " فكان ما كان من أمر الحكمين " . بتصرف .
( 4 ) سورة الأنفال 8 / 46 .